8 نصائح نبوية تعلمك كيف تكسر الشهوة

كيف علمنا النبي ﷺ غض البصر و مقاومة الشهوات؟

أخطر عدو يواجهنا في حياتنا؛ ليس وحشاً مفترساً، ولا خائناً متربصاً… بل هي فتنة الشهوة. عدوٌّ كامنٌ في أعماق الإنسان، يتربّص به في لحظات ضعفه، ويتحين الفرصة للانقضاض عليه. متى كانت آخر مرة انتصرت فيها على شهوتك؟ أغلب الظنّ أن هزائمَك أكثرُ عدداً من انتصاراتك، لأنك ما زلت تدخل المعركة بلا عُدّةٍ ولا سلاحٍ؛ فلا إيمان راسخٍ ولا عزيمة صادقة. لذلك سنحاول اليوم أن نستعين بهدي رسول الله محمد ﷺ، نستمدُّ من سيرته القوة على كبح الهوى و مقاومة الفتن، ونقتبسُ من سنته خطةً تُعيننا على مجاهدة النفس و غض البصر، حتى تنقشعَ ظَلماءُ الشهوة عن طريقٍ أضاءه الإيمانُ واليقين.

1. الجهاد الأكبر ومعركة الداخل

قد يتراءى للناس أن الجهاد ينحصر في ساحات القتال، وميادين المعارك حيث صليلُ السيوف، وهديرُ الخيول، وصيحات النصر أو الفناء… نعم، ذلك جهاد عظيم الشأن، رفيع المقام، ولكن الإسلام — الذي يعرف أسرار النفس وطبائعها — رفع راية جهادٍ آخر لا يقلّ منزلةً ولا أجراً، بل هو المفتاح الذي تفتح به أبواب النصر كافة.

قال رسول الله محمد ﷺ: "المجاهدُ من جاهد نفسَه في طاعةِ الله، والمهاجرُ من هجر الخطايا والذنوب"، وكأنّه ﷺ يُعلن قانوناً ربانياً لا يتبدّل: إن أي نصرٍ في ميدان الحياة لا يبدأ إلا بنصر في ميدان النفس. فمن غلب هواه، وأخضع شهوته، و غض بصره، و حارب الفتن وأقام نفسه على أمر الله، صار له سلطانٌ على كل صعوبةٍ تعترض طريقه؛ إذ من قهر نفسه، فقد قهر أعصى عدوٍّ يواجه الإنسان، ومن ملَك زمامَها، هان عليه كل شيء آخر.

2. الطريق المحفوف بالشهوة

لو زُيِّنَت لك طريقٌ تنحدر إلى هاويةٍ سحيقة، ودُعيتَ أن تسلكها بسيارتك دون توقّف، أكان يغريك حُسنُ منظرها عن سوء عاقبتها؟ كلا، لن تخطو فيها خطوة واحدة، لأنك تعلم أن نهايتها دمارٌ محتوم. فكيف نأمن إذن طريقاً تُزيِّنه الفتن و الشهوات، ونُقبل عليه ونحن نعلم أن منتهاه خُسرانٌ مبين؟ قال رسول الله محمد ﷺ: "حُفَّتِ الجنةُ بالمكاره، وحُفَّتِ النارُ بالشهوات"

كلمةٌ تُضيء البصيرة قبل أن تُسمع الأذن، تُخبرك أن طريق النار ممهَّدٌ لذيذ، تُغري ألوانُه وتُطربُ أنغامُه، ولكن وراءه شقاءٌ وندم، وأن طريق الجنة مَحفوفٌ بالتعب والمجاهدة، ولكنه يفضي إلى راحةٍ أبديةٍ وسعادةٍ لا تزول. فاختر لنفسك أيَّ الطريقين تسلك، فإن الخطوة الأولى هي التي تُحدّد المصير.

3. محاسبة النفس: فريضة العقلاء

لن تفلح تجارة بلا محاسبة، ولن يزكو مال بلا حرص ومراقبة. وكذلك النفسُ البشرية، إن وجدتَك لَيِّناً، مطلقاً لها العِنان، فسدت طباعُها، واستحكم داؤها، وساقتك إلى موارد الفتن و الهلاك. لذلك وجَّهنا النبي محمد ﷺ إلى يقظة الضمير، ومحاسبة النفس، فقال: "الكَيِّسُ من دان نفسَهُ، وعملَ لما بعد الموت".

فالعاقل من جعل لنفسه ميزاناً دقيقاً، يقف كل مساءٍ يراجع فيه أقوالَه وأفعالَه، كما يُراجع التاجرُ حسابَ دَيْنه، فإن رأى خيراً حمد الله وزاده، وإن رأى زللاً استغفر وأصلحه. أما من أرخى العنان لنفسه، وإستسلم للفتن و الشهوات، فقد باع عمرَه بثمنٍ بخسٍ، وضيّع حياته في صفقةٍ خاسرةٍ لا يرجى فيها ربح.

4. ميزان الإيمان بين الشرع والهوى

لو خالفَ عيارُ الميزانِ قولَ التاجرِ، فأيُّهما نُصدِّق؟ لا ريبَ أنَّ الميزانَ أصدقُ وأدقُّ؛ لأنه لا يَميلُ إلى مصلحةٍ ولا يتردَّدُ أمام مغرياتٍ، بل يحكمُ بالحقِّ بِلا تحيُّز. وكذلك الإيمانُ: لا يُقاسُ بالأقوالِ، بل بميزانٍ دقيقٍ يقرِّرُ صِدقَ الإنسان أو كذبه، وقد بيّن رسولُ الله محمد ﷺ هذا الميزان في قوله: "لا يؤمنُ أحدُكم حتى يكونَ هواه تَبعاً لما جئتُ به".

فلتكن أفعالُكَ موزونةً بهذا الميزانِ الدقيقِ؛ اسأل قلبَك وضميرَك: هل هذا يوافقُ شرعَ اللهِ أم يقودُهُ الهوى؟ فميزانُ الإيمانِ هو النُّورُ الذي يُفرِّقُ بين الصوابِ والخطأ وبين الحلال والحرام، فيكشفُ للعبدِ طريقَ الاستقامةِ من دروبِ الانحراف.

5. أهمية غض البصر

ما من شيءٍ يُحرّك أوتارَ الشهوة في النفس، ويستثيرُ دفائنَ الغريزة، كمثل النظرةِ الحرام؛ فإنّ العينَ مرآةُ القلب، وبابُ الروح، ومجرى السهم إلى الفؤاد. لذلك كان النبي محمد ﷺ حريصاً على حث أصحابه على غض البصر، فقال لعلي رضي الله عنه: "يا علي، لا تُتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى، وليست لك الآخرة" وهذا يؤكد أن العين إذا استقامت سلِم القلب، وإذا خانت، تسرّب الهوى إلى الجوارح كلها.

فمن غضّ بصرَه، فقد أوصدَ على الشيطانِ أوسعَ أبوابِ القلب، وقطع عنه سبيلَ الإغواء. أمّا من أطلق لعينيه العِنان، فقد سلَّم نفسه طُعماً سهلاً لوساوسه، وأذِن للفتنة أن تتسلّل إلى فكره ووجدانه. وغضّ البصرِ ليس انصرافاً عن الجمال، بل ارتقاءٌ في تذوّقه، وسموٌّ في إدراكه؛ إذ يرى المؤمن الجمال بعين الإيمان لا بعين الشهوة، فيزداد أدباً، لا اضطراباً، وتوقيراً للخالق لا افتتاناً بمخلوق.

6. القوة الحقيقية

قد يُعجَب المرءُ بفتوةِ جسده، أو يختال بما جمع من مالٍ وسلطان، ويظنّ أن القوة تُقاس بعضلاتٍ تُقبض، أو خزائن تُفتح، أو مناصب تُمنح. ولكن الإسلام — وهو العارف بحقائق النفوس — لا يجعل هذه مظاهرَ القوة ولا معيارها؛ فالقوة الحقيقية بالنسبة له تنبع من أعماق المؤمن، من قدرته على قهر أهوائه، والتسامِي فوق غرائزه.

وقد قال رسولُ الله محمد ﷺ: "ليس الشديدُ بالصُّرَعة، إنما الشديدُ الذي يملك نفسَه عند الغضب". تلك هي القوة الأولى التي تُبنى عليها سائر القوى: أن تضبط نفسك حين تثور، وأن تحكم زمامها حين تنفلت. فالنصر على النفس هو الميدان الذي يسبق كل ميدان، ومن فاز فيه هانت عليه كل المعارك.

7. الصبر زاد المؤمن

لن يختلف اثنان بأن الشهوة امتحان صعب وبلاء عظيم، ولكن المؤمن يواجه هذا الخطر بيقينٍ يُثبّتُ قلبه، وصبرٍ يُعينه على الاحتمال، ويبحث في الحلال عمّا يُعفّ به نفسه ويصون به طهارته. وقد قال رسول الله محمد ﷺ: "ومَن يستعفِفْ يُعِفَّهُ اللهُ عزَّ وجَلَّ، ومَن يَصبِرْ يُصبِّرْه اللهُ، وما أُعْطِيَ أحدٌ عطاءً هو خيرٌ وأوسَعُ مِنَ الصَّبرِ".

فالصبر في ميزان الإيمان ليس جموداً ولا خنوعاً، بل هو ثباتُ روحٍ تُقاوم الألم، ورباطةُ جأشٍ تعلو فوق الشهوة والابتلاء. وما من عبدٍ جاهد نفسَه إلا أمدّه الله بقوةٍ خفيّة؛ فإنك حين تُغلق باب المعصية مع شدة الرغبة، يفتح الله لك أبواب السكينة، وتلك لحظةُ نصرٍ لا يعرف حلاوتها إلا المؤمن الصابر.

8. ملء الفراغ بالطاعة

النفس إذا تُركت فارغة، عبث بها الهوى، وساقها الشيطان حيث يشاء. فالفراغ تربة خصبة تنبت فيها الشهوة، وتزداد فيها الوساوس، ويقوى سلطان الرغبة على القلب. ولذلك كانت الحكمة أن تُشغل النفس بالخير قبل أن يشغلها الباطل، وأن تُعمَر الأوقات بالطاعات قبل أن تعمرها الأهواء. قال رسول الله محمد ﷺ: "احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز" وقال أيضاً ناصحاً من لم يقدر على الزواج: "ومن لم يستطع فعليه بالصوم، فإنه له وجاء".

فالعمل الصالح — من صوم، وعلم، وقراءة، وسعيٍ في نفع الناس — يُخفف غائلة الشهوة؛ لأنه يملأ القلب نوراً ويصرفه عن مواطن الفتنة. فإذا وجدت نفسك مطمئنةً بالذكر، مشغولةً بمعروف، متعلقةً بعمل نافع، علمت أن الشهوة قد ضعفت، وأن سيطرة الهوى قد وهنت، فالنفس إن لم تُسق إلى الخير اندفعت وراء اللذة.

الخلاصة

أخيراً علينا أن نعلم أن معركةَ الشهوة ليست طارئاً يعترض الطريق، بل هي الامتحانُ الدائم الذي يُقاس به صدقُ الإيمان، وتُعرف به قيمةُ الإنسان. وإنّ القلب إذا صحّ توجّهه إلى الله، قَوِيَ على كل فتنة، وإذا امتلأ نوراً انطفأت أمامه نيران الفتن و الشهوات، فاطلب قوّتك من الله، واغرس جذورك في تربة الطاعة، وامضِ في طريقٍ قد يبدو شاقاً، ذلك هو الفوزُ الحقيقي، وتلك هي الرجولة التي أرادها الإسلام: أن تنتصر على نفسك قبل أن تطلب النصر على غيرك، فمن ظفر بهذا المقام، فقد فاز في الدنيا والآخرة.

شاهد الفيديو من هنا
تعليقات