التنفس عبر الفم؛ خطر يدمر صحتك و جمالك

كيف يدمر التنفس عبر الفم صحتك ويفسد جمالك؟

كلما شاهدت فيديو لغواص يحبس أنفاسه تحت الماء لعدة دقائق متتالية أتساءل: كيف يمكنه فعل ذلك؟! كنت أظن أن هذا يتجاوز قدرتنا كبشر. ولكن كتاب "Breath: The New Science of a Lost Art" للمؤلف جيمس نيستور، علّمني أن التنفس ليس مجرد فعل ميكانيكي لإدخال وإخراج الهواء من الجسم، بل هو عملية دقيقة لها قواعدها وقوانينها الخاصة.

في هذا المقال سنحاول اكتشاف هذه الظاهرة الحيوية، وفهمَ أسرارها الخفية. سنعرف كيف أفسدت الحياة العصرية تنفسنا، وكيف يمكننا إصلاح ذلك لعلاج الكثير من الأمراض والمشاكل.

خطورة التنفس عبر الفم

تشير الإحصاءات إلى أن 50% من البشر اليوم يتنفسون من خلال الفم، بسبب انتشار مشاكل انسداد الأنف والحساسية. قد تتساءل: ما الخطأ في ذلك؟ المهم أن يصل الهواء إلى الرئتين، أليس كذلك؟ في الواقع، هذا غير صحيح. ولإثبات ذلك قام الكاتب بتجربة سد فيها أنفه لمدة عشرة أيام، وسجل التغيرات التي طرأت على جسده يوميًا، وكانت النتيجة واضحة: التنفس عبر الفم يضر بالصحة. فقد ارتفع ضغط دمه بمقدار 13 نقطة، مما زاد من خطر الإصابة بنوبة قلبية أو جلطة دماغية. كما ارتفع معدل نبض القلب، وانخفضت درجة حرارة جسمه، وتراجعت قدرته على التركيز.

بل وأكثر من ذلك، يؤدي التنفس عبر الفم إلى تشوهات خطيرة على مستوى عظام الوجه والفك والأسنان، وهذا ما كشفت عنه تجربة أجراها طبيب الأسنان الأمريكي بيتر هارفولد سنة 1970 على مجموعة من القردة. حيث سدّ تجاويفها الأنفية باستخدام السيليكون، مما أجبرها على التنفس عبر الفم. وبعد أشهر من المراقبة، كانت هذه النتيجة: أسنان ملتوية وهشة، فك مشوه وفم فاغر، وعظام الوجه نمت بشكل طولي. يقول جيمس نيستور إن هذه الطريقة الخاطئة في التنفس هي ما جعلت الإنسان الكائن الحي الوحيد على الأرض الذي قد تنمو أسنانه مشوهة.

وأظهرت أيضًا دراسة يابانية أن التنفس الفموي يؤثر سلبًا على قدراتنا الذهنية. حيث وجدت أن الفئران التي سُدت جيوبها الأنفية قد طورت عددًا أقل من الخلايا العصبية الجديدة، وواجهت صعوبة أكبر في التنقل داخل المتاهة، مقارنة بنظيراتها التي كانت تتنفس عبر الأنف بشكل طبيعي. وأخيراً يبين الكاتب أن أضرار التنفس الفموي ترافقنا حتى أثناء النوم: فهو يؤدي إلى الجفاف، حيث يفقد الجسم 40% من الماء، ويسبب الأرق، ويزيد نوبات الشخير وانقطاع النفس، مما يجعل نومك مضطربًا ورديئًا. ولتصحيح كل ذلك يقدم لنا جيمس نيستور في كتابه نصائح مهمة لاستعادة قدرتنا على التنفس الصحيح.

أهمية التنفس عبر الأنف

الأنف ليس مجرد منفذ لدخول الهواء إلى الجسم، بل يلعب دورًا حيويًا في تنقية وتدفئة وترطيب الهواء قبل وصوله إلى الرئتين، مما يسهل عملية امتصاص الأكسجين. هذه حقيقة معروفة لدى الكثيرين، لكن ما لا يدركه العديد منا، كما يوضح جيمس نيستور، هو أن الأنف يلعب دورًا أيضًا في علاج مشاكل ضعف الانتصاب، وتنشيط الهرمونات التي تساعد على خفض ضغط الدم وتسهيل عملية الهضم. كما ينظم الأنف معدل ضربات القلب ويخزن الذكريات، كما تُحدد كثافة شعر الأنف ما إذا كنت ستعاني من مرض الربو. لهذا، يصفه الكاتب بـ "المحارب الصامت"؛ فهو حارس لبوابة أجسادنا، وصيدلي لعقولنا، ومستودع لمشاعرنا وذكرياتنا.

فوائد التنفس عبر الأنف تمتد حتى أثناء النوم؛ فهو يساعد في التخلص من مشاكل الشخير وانقطاع التنفس، مما يجعل النوم أعمق. وخلال النوم، تطلق الجيوب الأنفية دفعة كبيرة من أكسيد النيتريك، وهو جزيء يلعب دورًا مهمًا في تحسين الدورة الدموية وتوصيل الأكسجين إلى الخلايا. كما أن مستوى أكسيد النيتريك في الجسم يؤثر بشكل كبير على الوزن، والمزاج، والجهاز المناعي، وحتى على الوظيفة الجنسية. هل تعلم أن دواء "الفياغرا"، الذي يعالج ضعف الانتصاب، يعمل عن طريق تحفيز إفراز أكسيد النيتريك في الدورة الدموية، مما يعزز من قوة الانتصاب؟ والأنف يقوم بذلك بشكل طبيعي.

لذلك، ينصحنا الكاتب باستخدام شريط لاصق لإغلاق الفم أثناء النوم، لإجبار أنفسنا على التنفس عبر الأنف. يمكن وضع شريط لاصق بحجم طابع بريدي على الفم بطريقة تشبه شارب "شارلي شابلن". توجد شرائط لاصقة خاصة لهذا الغرض تُباع في الصيدليات، وإذا لم تجدها يمكنك استخدام شريط عادي. ويذكر الكاتب أنه بفضل هذا الشريط، تخلص من الشخير وانقطاع النفس أثناء النوم، واستعاد صحته وعافيته.

رئة سليمة يعني عمراً أطول

حتى الآن تحدثنا عن إدخال الهواء إلى الجسم، أو الشهيق، وفي هذا الفصل يتناول الكاتب المرحلة الثانية من التنفس، وهي "الزفير"، التي يعتبرها أهم مرحلة. يوضح الكاتب هنا الدور الأساسي للرئتين في عملية التنفس، بل ويربط بين صحة الرئة وطول عمر الإنسان. فقد كشفت دراسة "فرامينغهام للقلب" في ثمانينيات القرن الماضي، بعد عقود من الأبحاث، أن سر العمر الطويل لا يرتبط بالجينات أو الحمية الغذائية، بل بحجم الرئتين.

فكلما كانت الرئتان أصغر وأضعف، كان عمر الإنسان أقصر. ولكن، لحسن الحظ، كما يشير الكاتب، الرئتان من الأعضاء القليلة في جسم الإنسان التي يمكن تطويرها وزيادة حجمها وقوتها. هذا ما فعله الغواصون المحترفون، الذين تمكنوا من خلال التدريب على الغطس الحر من زيادة سعة الرئة بنسبة تتراوح بين 30% إلى 40%، وهو السر الذي يتيح لهم حبس أنفاسهم تحت الماء لفترات أطول.

والأمر الجيد -كما يضيف جيمس نيستور- أننا لسنا بحاجة للتدرب على الغوص الحر في أعماق البحر لتقوية الرئتين وزيادة حجمهما. فقد أظهرت الدراسات أن نشاطًا بدنيًا بسيطًا مثل الهرولة أو ركوب الدراجة يمكن أن يزيد من حجم الرئتين بنسبة تصل إلى 15%. ومن التمارين المهمة أيضًا لتحقيق ذلك هو التدرب على أخذ شهيق كامل وزفير كامل، يعصرُ الرئتين ويفرغهما تمامًا من الهواء، هذا من شأنه تقوية الحجاب الحاجز، وهو العضلة الرئيسية المسؤولة عن التنفس.

أهمية التنفس البطيء والمنظم

يقول الكاتب إن أسوأ ما يمكن فعله أثناء التنفس هو أخذ أنفاس سريعة ومتتالية، لأن ذلك يؤدي إلى فقدان الجسم لغاز ثاني أكسيد الكربون. والوضع المثالي هو عندما يكون هناك توازن بين ثاني أكسيد الكربون والأكسجين في الجسم، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا من خلال التنفس البطيء والمنظم.

قبل مئة عام، درس الطبيب الدنماركي كريستيان بوهر ما يحدث على مستوى الخلية أثناء التنفس. نحن نعلم أن الأكسجين هو الوقود الأساسي للخلية، حيث ينتقل إليها عبر الدم، فتمتصه الخلية وتطرح غاز ثاني أكسيد الكربون. غير أن بوهر اكتشف أمرًا مهمًا: كمية الأكسجين التي تمتصها الخلايا تعتمد على مستوى ثاني أكسيد الكربون في الجسم، فكلما كانت نسبة ثاني أكسيد الكربون أعلى، زادت قدرة الخلية على امتصاص الأكسجين.

لذلك، يوضح جيمس نيستور أن التنفس البطيء يحافظ على مستويات عالية من ثاني أكسيد الكربون، مما يمكن الخلايا من امتصاص كمية أكبر من الأكسجين، وبالتالي إنتاج المزيد من الطاقة. ويوصي بتطبيق قاعدة "5.5" في التنفس، أي الشهيق لمدة خمس ثوانٍ ونصف، ثم الزفير لمدة خمس ثوانٍ ونصف، مشيرًا إلى أن هذا هو نمط التنفس الأمثل.

أهمية المضغ الجيد لتحسين التنفس

إذا قارنا جمجمة الإنسان قبل ألف سنة من الآن وجمجمته اليوم سنلاحظ بعض التغيرات المهمة التي جعلت تنفسنا اليوم سيئًا للغاية؛ حجم الفك أصغر، حنجرة ضيقة، وانسداد الجيوب الأنفية. وسبب ذلك كما يوضح الكاتب هو أن أجدادنا الأوائل كانوا يمضغون كثيرًا، وكان أكلهم جافًا وقاسيًا ما جعل عظام الوجه صلبة وعضلات الفك أقوى.

ولكن كل شيء تغير قبل 300 سنة من الآن مع ظهور الصناعات الغذائية، التي جعلت غذاءنا طريًا وناعمًا. لذلك ينصحنا جيمس نيستور بأن نمارس المضغ أكثر، لأنه يصحح تشوهات الفم ويقوي عضلات الفك ويوسع فتحة الحنجرة، ما يساعدنا على التنفس بشكل أفضل. التقط الكاتب صورة قبل وبعد ممارسة المضغ بانتظام، وقد أظهرت اتساع مجرى الهواء في رأسه بعد سنة واحدة من مضغ العلكة.

الخلاصة

في النهاية يقول جيمس نيستور إن التنفس لا يقل أهمية عن الأكل والتمارين الرياضية، بل هو ركيزة أساسية للحفاظ على صحة الإنسان. وإذا كان لا بد أن أقدم لكم نصيحة واحدة لعيش حياة طويلة وصحية ستكون ببساطة: تعلم كيف تتنفس بشكل أفضل.

شاهد الفيديو من هنا
تعليقات