7 مفاتيح تفتح لك أبواب إستجابة الدعاء

لماذا ندعو ولا يستجيب الله لدعائنا؟

يقول أحد الملاحدة أن الدعاء إلى الله لا يختلف عن نداء إلى صنم أو جماد لا يسمَع ولا يعقل، فيزعم أن نسبة الاستجابة هنا أو هناك واحدة؛ تُردّ معظم الدعوات ويصادف أن تتحقق واحدة، ثم يبنون على هذا الوهم حكماً جائراً بأن الدعاء مجرد خرافة! ولكن هل العيب – حقاً – في قدرة الرب جل شأنه على الإجابة؟ أم في عقول البشر التي لم تفهم جوهر الدعاء، ولا آدابه، ولا شروطه.. فأين موضع الخلل؟ هل هو في الخالق؟ أم في داعٍ يجهل حقيقة الدعاء!

قصص عجيبة عن استجابة الدعاء

كثيرةٌ هي قصص الرجال الصالحين الذين رأوا أثر الدعاء رأي العين، وكيف فتح الله لهم أبواب الفرج بعد انسداد، وأبدل ضعفهم قوة، وسقمهم عافية، وعقمهم ذرية، وقَحطهم غيثاً. وسأكتفي بقصة واحدة يرويها الطبيب الفيلسوف د. مصطفى محمود رحمه الله؛ ذلك الرجل رقيق القلب، صادق الإيمان، الذي منّ الله عليه بالشفاء في ليلة واحدة، وبدعوة واحدة. فيحكي – رحمه الله – أنه أحسّ يوماً بألم حادّ يشتد في ظهره، فمضى على إثر ذلك إلى الطبيب، وأجرى الفحوص اللازمة. فجاءت النتائج تحمل ما يُثقل النفس: حصاة كبيرة في الكلى، لا علاج لها – في رأي الأطباء – إلا عملية عاجلة لا مفرّ منها.

ويتابع الدكتور مصطفى محمود حديثه فيقول: لما عدتُ إلى بيتي تلك الليلة، أثقلني الهم وأرهقني الألم، ففرشت سجادتي واتجهت إلى ربّي الذي لا يُعجزه داء ولا يَخيب لديه رجاء. ناجيته بصدق المضطر، وسألته شفاءً يعصم جسدي الواهن من عناء مشرطٍ جديد. وفي غمرة المناجاة غلبني شعور بالحاجة إلى دخول الحمام، فذهب، فإذا بي أُفاجأ بخروج حبات دقيقة مفتتة، كالذرات الناعمة، ثم انقضى الألم كأنه لم يكن! وفي الصباح عدت إلى الطبيب في موعد العملية، فأعاد الفحوص مذهولاً؛ لا أثر للحصاة بعد اليوم! كانت قد تفتت وتلاشَت، وكتب الله له الشفاء بفضله ومنته. فأين نحن من هذه الروح الصادقة، وذلك القلب الخاشع، وذلك اليقين الهادئ الذي يعرف كيف يطرق باب السماء؟

مفاتيح استجابة الدعاء

و ليستجيب الله عز وجل دعاء عبده، يجب أن تتوفر مجموعة من الشروط، ويمتلك مجموعة من المفاتيح التي تعينه على فتح أبواب الإجابة. و من أهم تلك الشروط و المفاتيح ما يلي:

1. الاستجابة المتبادلة

لكل بابٍ مفتاحه الخاص، وكذلك أبواب الإجابة لها مفاتيحها المخصوصة. وأولها أن تتحقق الاستجابة المتبادلة بين العبد وربه؛ فسنّة الله جارية بأن يلبّي نداء من لبّى أمره، ويجبر خاطر من أطاعه وسار في هديه. وقد قرر القرآن هذه الحقيقة في قوله تعالى: "فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي"؛ أي من أراد أن يسمع الله نداءه، فليسمع هو أولاً نداء الله، ومن رجَا عطاء الخالق فليهيأ قلبه بالإيمان الصادق والعمل الصالح. إن الدعاء ليس مجرد كلمات ترددّ بلسانٍ لاهٍ، بل هو ثمرةُ قلبٍ مستقيم، ونيةٍ صادقة، وسلوكٍ مطيع. فالله – جل شأنه – لا يردّ من قصده بصدق، لكنه لا يفتح أبواب الاستجابة لقلبٍ أعرض عن هداه، ثم جاءه يطالب بالعطاء.

2. الأكل الحلال والمال الحلال

فكيف يُرتجى أن تُرفَع الدعوات بلسان تغذّى بالحرام؟ وكيف يُنتظر القبول من عبدٍ كان مكسبه من مالٍ حرام؟ لهذا جاء التحذير النبوي شديداً صارماً، كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ ذكر الرجل يُطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك؟ رغم أن هذا الرجل جمع أسباب الإجابة الظاهرة: سفراً يُرقّق القلب، وتذللاً يورث الانكسار، ورفعاً لليدين، وإلحاحاً في الرجاء، ولكن آفة الحرام نسفت كل ذلك، وأغلقت باب السماء في وجه دعائه.

3. لا تختبر الله بدعائك

إياك أن تجعل الدعاء ميدان اختبار لله عز وجل. كأن ترفع يديك لتقول: سأدعو لأرى هل يستجيب أم لا! أو تجعل التأخر في الإجابة ذريعةً للشك في وجوده، أو وسيلة للطعن في قدرته. إن الدعاء ليس تجربة مخبرية تُدار بالأزرار والمقاييس؛ إنه عبادة قلبٍ خاشع، ويقين نفسٍ مؤمنة، وتسليم عبدٍ يعرف مقام ربّه. ومن دخل ساحة الدعاء ليختبر الله خرج منها خاسراً. أما من دخلها خاضعاً موقناً مسلماً بقضاء الله، فذلك الذي يفتح له باب الرحمة، ويجد للإجابة طريقاً، إمّا بتحقيق مطلوبه، أو بصرف بلاءٍ عنه، أو بادخار خيرٍ أعظم له عند رب العالمين.

4. لا تتكلف في الدعاء

من الأخطاء الشائعة أن نحول الدعاء إلى نصٍّ منمّق مسجوع، ونتلوه كالشعر ونتغنى به كالأنشودة، فيتحول إلى استعراض لغوي لا طائل منه، ويفقد جوهره وروحه. إن الله لا ينظر إلى تزويق الألفاظ ولا إلى زخرفة الجمل، وإنما يلتفت إلى صدق القلب وانكساره، وإلى دمعة الخضوع وحرارة الرجاء.

أدعُ ربك بلسانك الذي تفهمه، وبكلماتك البسيطة التي تعبّر عن حاجتك بصدقٍ وصفاء؛ فالإخلاص لا يحتاج إلى قافية، والخشوع لا يُستعار من معجم البلاغة. إنما يُستمد من قلبٍ عرف مقام ربه، فوقف بين يديه متواضعاً، لا يتصنّع ولا يتكلف، فالله لا ينظر إلى رصانة الكلمات وفصاحة التعبير، بل إلى صدق الضراعة وانكسار القلب.

5. لا تترك الأسباب

الدعاء سببٌ شرعي لا يلغي الأسباب الكونية بل يتممها ويباركها. المؤمن الحقّ هو من يبذل جهده، ويستنفد وسعه في الأخذ بالأسباب ثم يرفع يديه إلى ربه يسأله التوفيق والتيسير. لا تسأل الرزق دون عمل، ولا تسأل النجاح دون دراسة، ولا تسأل التوفيق دون اجتهاد.

هكذا كان شأن الأنبياء والصالحين؛ فهذا زكريا عليه السلام لم يطلب الولد إلا بعد أن وهن عظمه واستنفد كل حيلة بشرية، فجاءه الفضل من عند الله. فالدعاء كمسافرٍ هيّأ راحلته، وأعدّ زاده، وضبط طريقته، ثم استودع أمره لله، يسأله الحفظ والسلامة من أخطار الطريق. عندئذٍ يلتقي جهد العبد بعون الرب، فتثمر الأسباب، وتتحقق الإجابة بما يشاء الله ويقدّر.

6. تطهير النفس من المعاصي

إن الذنوب – ظاهرها وباطنها – كالستار السميك يُلقى بين العبد وربه، فيحول بين الدعاء وصعوده، وبين الرحمة ونزولها. فالجوارح حين تستسلم للملذات والشهوات، واللسان حين يألف الكذب ويستسهل الغيبة، والقلب حين يعشعش فيه الكبر ويتمكن منه الحسد ويتلبس بالرياء، فإن هذه الآفات تفسد الدعاء وتعطل الإجابة.

لذلك دعا القرآن الكريم إلى ترك كل الذنوب ظاهرها وباطنها بقوله: "وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ". لذلك كان الصالحون إذا ضاقت بهم الشدائد بدأوا بإصلاح أنفسهم قبل أن يرفعوا أكفهم إلى السماء، لأنهم يعلمون أن الدعاء لا يحلّق عالياً إلا إذا تحرر من أثقال الذنوب.

7. عدم الاستعجال والتيقن بالإجابة

المؤمن دائم الثقة في ربه كامل التوكل عليه، يعلم أن من تمام العبودية أن يثبت على بابه ولا يمله، وأن يلحّ في الدعاء كما يلحّ المحتاج على الكريم؛ لأن الذي يثق بربه لا يتراجع عند أوّل تأخير، ولا يظن بربه ظنّ السوء عند أول محنة. وهكذا يعلّمنا النبي ﷺ حين يقول: "يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يُستجب لي"؛ فالعجلة آفة الداعي، إذ يريد كل شيء سريعاً على هواه، فإذا لم يجد مراده انصرف!

ولكن المؤمن الذي يعرف ربه يعلم أن التأخير قد يكون رحمة، وأن المنع قد يكون عين العطاء، وأن الدعاء نفسه عبادة يرفع الله بها العبد درجات. ولذلك يبقى ملازماً للدعاء؛ يقرع الباب المرة بعد المرة، مستنداً إلى ثقته بربه، عالماً أن الله لا يخيّب من أحسن الظن به وتوكّل عليه.

الخلاصة

في النهاية فلنعلم أن الدعاء ليس صرخة في فراغ، ولا صوتاً يتلاشى في الهواء؛ إنه عقدُ ثقة بين العبد وربه، ووثيقة يقين بأن للخالق عيناً لا تنام، ورحمة لا تنقطع. فالله –جلّ شأنه – لا يرد يداً رُفعت إليه خائبة، بل يُجيب الدعاء على واحدة من ثلاث صور كلها خير: إمّا أن يعجّل لعبده مطلوبه في الدنيا فيقِرّ عينَه به، وإما أن يدّخر له ثوابه يوم يلقى ربّه فيجد نعمة أعظم مما سأل، وإما أن يصرف عنه من البلاء مثل ما دعا وربما أكثر. فما من دعوة صادقة إلا ولها أثر، وما من قلبٍ واثق إلا وله نصيب. فاثبت على باب ربك، وأحسن الظن بوعده، واطمئن؛ فالله أقرب إليك مما تتصور، وأرحم بك مما تظن، ولا يضيع عنده رجاء من رفع يديه مستغيثاً وناداه: يا رب.

شاهد الفيديو من هنا
تعليقات