لماذا قد لا يوفق الإنسان في حياته؟
أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن خيراً فله، وإن ظن شراً فله
كثيراً ما يشعر الإنسان بأن الحياة تسير عكس ما يريد، فتتعثر خطواته في الدراسة، ويواجه الإخفاق في العمل، تحيط به الهموم من كل جانب، وتأتيه المتاعب من حيث لا يحتسب، وكأن القدر قد كتب عليه أن يكون من المحرومين. إن التوفيق من أعظم النعم التي يمنّ الله بها على من يشاء من عباده؛ فهو سداد في الرأي، وصواب في الفعل، وبركة في الرزق، وطمأنينة في القلب. إنه تلك اليد الخفية التي تقودُ المؤمنَ في دروب الحياة، فيجد الأبواب تُفتح أمامه، والعقبات تُذلل في طريقه، والخير يأتيه من حيث لا يحتسب. واليوم سنحاول كشف الأسباب الحقيقية وراء حرمان العبد من التوفيق، ونضع أيدينا على الطريق الصحيح نحو حياة موفقة ومباركة.
1. الذنوب والمعاصي
إن الذنوب سمّ يقتل البركة والتوفيق في الحياة، فما من معصيةٍ تُقترف إلا وأقامت بين العبد وربه حجاباً، يحجبه عن المدد الإلهي، ويحرمه حسن العاقبة. وقد كان أحد السلف يدرك هذه الحقيقة بحدس المؤمن وبصيرة العبد الصالح، فيقول: "إني لأعصي الله فأعرف ذلك من خلق حماري وخادمي" وكأن الكون من حوله يعلن الاحتجاج على زلّة القلب أو معصية الجوارح.
وانظر إلى ثعلبة بن حاطب، ذلك الصحابي الذي ذاق مرارة الفقر، فرفع يديه داعياً أن يُوسِّع الله عليه. فلما فُتحت له أبواب المال، أُغلقت عليه أبواب التوفيق؛ شغله الغنى عن الصلاة مع رسول الله ﷺ، ثم ساقه الأمر إلى التهرّب من الزكاة. عندها تحوّل العطاء إلى ابتلاء، ونزل فيه قول الله تعالى: "ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدقن ولنكونن من الصالحين، فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون." هكذا يفعل الذنب حين يُستهان به: يقلب النعمة نقمة، ويحوّل التوفيق خذلاناً، ويُنسي العبد أن ما بينه وبين الله هو الميزان الحقيقي لكل نجاحٍ أو إخفاق.
2. الابتعاد عن ذكر الله
القلب الذي يخلو من ذكر الله كالبيت الخرب، لا تسكنه الطمأنينة ولا يعرف التوفيق. قال تعالى: "ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً." وهذا الضنك ليس فقط في قلة المال، بل هو ضيق في الصدر، وقلق في النفس، وحيرة في الأمر. كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من الذكر في جميع أحواله، وكان يعلم أصحابه أن يستفتحوا أمورهم بالاستخارة والذكر. فالذاكر موصول بمصدر العون، مشدود إلى حبل القوة الإلهية، تمضي خطواته على هدى وإن تعثّر، أما الغافل فمقطوع المدد، يتقلّب في شؤون حياته كمن يسير في ليلٍ بهيم، بلا مصباح ولا دليل.
3. سوء الظن بالله
كثيرٌ من الناس، إذا داهمته محنة أو نزل به بلاء، ساء ظنّه بربه، وجعل يعترض في سرّه أو علنه، وهذا الظنّ السيّئ من أغلظ الحُجُب التي تُسدل بين العبد والتوفيق الإلهي؛ لأنه يقطع صلته بالرحمة، ويشوّه نظرته إلى عدل الله ولطفه. وقد جاء في الحديث القدسي: "أنا عند ظنّ عبدي بي، إن ظنّ خيرًا فله، وإن ظنّ شرًّا فله."
تأمّل حال أيوب عليه السلام؛ ابتُلي في جسده وماله وأهله، حتى ضاقت به الأسباب، ولكن قلبه لم يضق بربه، ولم ينكسر فيه حسن الظن. لم يتّهم الحكمة، ولم يساوم الإيمان، فكان ثباته باب الفرج، وصبره جسر العطاء. عندها ردّ الله عليه ما فقد، وزاده من فضله، وجعله آيةً في الصبر، ونموذجاً للتوفيق الذي يولد من رحم الثقة بالله، والصبر على بلائه.
4. عدم الأخذ بالأسباب المشروعة
ليس التوفيق في ميزان الإسلام دعوةً إلى الكسل، ولا ترخيصاً للتواكل، ولا انتظاراً لمعجزات تهبط على من فرّط وقعد. بل هو ثمرة سعيٍ واعٍ، وجهدٍ صادق، وأخذٍ بالأسباب قبل رفع الأكفّ بالدعاء؛ فالطالب الذي لا يذاكر ثم يدعو الله بالنجاح، والعامل الذي لا يتقن عمله ثم يطلب الترقية، والرجل الذي يقصّر في حق الناس ثم يطلب ودهم وإحسانهم. كل أولئك أساؤوا فهم التوكّل، قال رجُلٌ لِلنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم : "أُرسِلُ ناقتي وأتوكَّلُ ؟ قال : اعقِلها وتوكّل"؛ أي اربط ناقتك أولاً، ثم سلِم الأمر لله.. فمن أراد ثمرة التوفيق، فليغرس أولاً شجرة العمل.
5. الاعتماد على الأسباب ونسيان المسبب
من الناس من يظن أن النجاح والتوفيق صنيعة الجهد البشري المجرد، فيعتمد على ذكائه، ويغترّ بقوته، ويستند إلى ماله، ونسي أن مقاليد الأمور كلها بيد الله وحده. وهذا الخلل آفة تحرم صاحبها المدد، لأن الله لا يهب توفيقه لقلبٍ تعلّق بغيره، ولا يعين من توهّم الاستغناء عن عونه. وقد قصّ القرآن علينا خبر قارون حين قال في غرور الأثرياء: "إنما أوتيته على علمٍ عندي"، فكانت العاقبة أن خسف الله به وبداره الأرض، ليبقى عبرةً لكل عقلٍ يتيه، وكل قلبٍ ينسى.
أما المؤمن الحق فلا يخاصم السنن، ولا يهجر الأسباب، لكنه لا يعلّق قلبه بها، بل يربطها بمشيئة الله. لذلك قال شعيب عليه السلام كلمة الفصل: "وما توفيقي إلا بالله"؛ عقيدة تُقيم العمل، وتحفظ القلب من الغرور، وتفتح أبواب العون لكل صادق ومتوكل.
6. ظلم الناس وأكل الحقوق
الظلم ظلمات يوم القيامة، وهو من أسرع الأسباب التي تجلب المصائب وتحجب التوفيق. فما أسرع ما تستدعي المظالمُ المصائب، وما أقرب ما تجلب الحرمان! ودعوة المظلوم سهمٌ نافذ، لا يقف دونه حجاب. كم من تاجر ظلم في تجارته فحُرم البركة في ماله! وكم من موظف تكبر على الناس فسُدت في وجهه الأبواب! وكم من طالب غش في امتحانه فحُرم التوفيق في حياته! إن الله طيبٌ لا يقبل إلا طيباً، ولا يجعل للظلم ثمرةً مباركة. فالمال الخبيث، واليد الآثمة، والقلب القاسي؛ كلها تطفئ نور التوفيق في الحياة، وتترك صاحبها يتخبّط، ولو ظنّ أنه يسير في طريق النجاح.
7. قطيعة الرحم
قطيعة الرحم من الكبائر التي تعجل عقوبتها في الدنيا قبل الآخرة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة قاطع رحم». وقال أيضاً: "من أحب أن يُبسط له في رزقه ويُنسأ له في أثره فليصل رحمه". فكم من شخص يشكو ضيق الرزق وهو قاطع لرحمه! وما أكثر من يتعثر في خطواته، ويستغرب تكرار الفشل، وهو قد هجر أقرب الناس إليه، كأنما استهان بوشيجة جعلها الله سبباً للبركة والامتداد. إن صلة الرحم ليست مجاملة اجتماعية، بل عبادة تُستجلب بها الرحمة، ويُستدرّ بها التوفيق، وتُفتح بها الأبواب المغلقة.
8. ترك الصلاة
كيف يُرتجى العون ممن قُطعت بينك وبينه السُّبل، وأُغلقت دونه أبواب الوصال؟ إن الصلاة ليست مجرد حركات نؤديها في أوقات معينة، بل هي عماد الدين، وجسر العبد إلى ربّه، وأوثق خطوط الاتصال مع الخالق عز وجل. كما أنها أول ما يُسأل عنه العبد يوم القيامة، فإن صلحت صلح سائر العمل، وإن فسدت كان ما بعدها أفسد.
وكثير ممن يشكون قلة التوفيق يتركون الصلاة جملة، أو يؤدّونها على عَجَلٍ واستخفاف؛ يؤخرونها عن وقتها، أو يأتونها بأجساد غائبة وقلوب شاردة. ثم يتساءلون: لِمَ انسدت الطرق؟ ولِمَ تعثرت الخطى؟ فكيف يُنتظر التوفيق ممن قطع صلته بخالقه. إن من فرّط في الصلاة فرّط في مفتاح العون، ومن استهان بها حُرم المدد.
9. الحسد والحقد
القلب المليء بالحسد والحقد قلب مريض، لا يذوق الراحة ولا يعرف التوفيق. الحاسد لا ينشغل بإصلاح نفسه، بل يترقّب سقوط غيره، ويتمنى زوال نعمة لم يُنقصه وجودها شيئاً، فيُجازى بحرمان نعمة التوفيق. وقد حذّر النبي ﷺ من هذا الداء فقال: "إيّاكم والحسد، فإن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب". والحسد في حقيقته خصومة مع القدر، وسخطٌ على قسمة الله، وكأن الحاسد يقول بلسان حاله: لِمَ أعطيتَ هذا ومنعتني؟ فهو بذلك لا يعترض على الناس، بل يعترض على رب الناس. فكيف يُرجى التوفيق لقلبٍ ضاق بما وسعه الله، وسخط على ما ارتضاه ربّه لعباده؟
أما القلب السليم، فيرضى بالقسمة، ويفرح بالخير إذا شاع، ويعلم أن فضل الله واسع لا يُستنزف بعطاء، ولا يُغلق بفرح غيره. ومن رضي بما قسم الله له، وسلِم صدره لعباد الله، كان أحقَّ القلوب بنور التوفيق، وأقربها إلى الطمأنينة والبركة.
10. العجلة وقلة الدعاء
قد يقول قائل: دعوتُ الله وسألته التوفيق، فلم أرَ إجابة! ولو أنه تدبّر لعلم أن الخلل ليس في الدعاء، بل في العَجَلة وسوء الفهم. فقد نبّه النبي ﷺ إلى هذا الداء حين قال: "يُستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوتُ فلم يُستجب لي". والدعاء سلاح المؤمن، وروح العبادة، به تستمدّ القوة، وبه تفتح أبواب التوفيق. غير أن هذا السلاح لا يعمل مع القنوط، ولا يُؤتي ثماره مع الشك والتبرّم. فمن دعا، فليُلحّ، ومن سأل، فليُداوم، وليوقن أن الإجابة آتية لا محالة: إمّا عاجلة، أو مُدّخرة، أو صارفًة لبلاءٍ كان أدهى وأمرّ.
إن التأخير ليس حرماناً، والصمت ليس إعراضاً، ولكنها تربية إلهية للقلب؛ ليزداد تعلقاً، ويترسّخ يقيناً، ويتعلم أن التوفيق هبة تُعطى في الوقت الذي يريده الله، لا في اللحظة التي يختارها العبد. فمن أحسن الظن، وأدام الدعاء، فتح الله له من أبواب التوفيق ما لا يخطر له على بال.