تعفّن الدماغ، المرض الذي يهدد العالم

كيف يتعفن دماغنا بسبب التكنولوجيا الحديثة؟

إذا استطعت إكمال هذا المقال حتى النهاية، فأنت ضمن قلة لا تتجاوز 10 في المئة ما تزال تحتفظ بقدرتها على التركيز لعدة دقائق متواصلة. فالأبحاث تشير إلى أن 90 في المئة من الشباب اليوم فقدوا هذه القدرة، بعدما صار التشتّت العلامة الأبرز للإنسان المعاصر. غير أن الحقيقة التي سنكشف عنها اليوم هي أن قدرتنا على التركيز لم تتلاشَ من تلقاء نفسها، بل سُرقت وانتُزعت منا ببطء وعلى مدى عقود من الزمن.

ومن خلال كتاب The Attention Merchants للمؤلف تيم وُو سنفهم كيف أمكن لتلك القوى أن تستحوذ على وعينا، واستغلاله لربح المال وتمرير أجنداتها الفاسدة، ثم نتبيّن السبل التي تُمكّننا من إيقاف أولئك اللصوص قبل أن يفسدوا حياتنا ويستحوذوا على ما تبقّى من أعمارنا.

الجرائد الورقية و بداية القصة

في مطلع القرن التاسع عشر، برز لأول مرة أولئك الذين يسميهم الكاتب بـ "تجّار الاهتمام"؛ وهم أشخاص أدركوا أن انتباه البشر ليس مجرد تفاعل عابر، بل مورد ثمين يمكن تحويله إلى ثروة هائلة. من بين هؤلاء كان بنجامين داي، صاحب مطبعة صغيرة في نيويورك، والذي غيّر بحيلة ذكية قواعد اللعبة الإعلامية.

كانت الصحف حينها حكراً على الطبقات الثرية من تجار وساسة، تُباع بأسعار مرتفعة وتُكتب بلغة لا تعني القارئ العادي. في هذا المناخ، خطرت لداي فكرة: سيبيع الجريدة بسنت واحد فقط، وهو مبلغ لا يغطي تكاليف الإنتاج، لكنه في متناول أغلب سكان المدينة.

خطوة بدت متهوّرة للبعض، لكنها كانت رهاناً مدروساً لاقتحام سوق القرّاء العاديين وتوسيع دائرة الجمهور. ومع تدفّق الآلاف على صحيفته الرخيصة، وجد داي بديلاً لتعويض ما يخسره من سعر البيع: الإعلانات المدفوعة. وبذلك دشّن نموذجاً اقتصادياً جديداً سيُصبح لاحقاً أساس صناعة الإعلام الحديث، تحوّل فيه القارئ لأول مرة من زبون إلى سلعة.

ومع صعود نموذج بنجامين داي، سارعت الصحف إلى تقليده، لتبدأ موجة واسعة من السباق على جذب الاهتمام ولفت الانتباه. فاتجهت بعض الجرائد إلى المحتوى المثير، كقصص المحاكم وما تحمله من جرائم وسرقات، بينما ركزت أخرى على القضايا الاجتماعية القريبة من حياة الناس. ولم يتردد البعض في اختلاق الأخبار، كما فعلت صحيفة ذي نيويورك سان عام 1835 عندما نشرت خرافة "قمر هيرشل العظيم"، مدعيةً رصد حياة على سطح القمر ومرفقة ذلك بصور لمخلوقات غريبة. وقد حققت هذه الكذبة للجريدة مبيعات غير مسبوقة.

الراديو والتلفاز يقلبان المشهد

حتى الآن لم تتجاوز الدعاية كونها صورة في جريدة أو لوحة على جدار، ولكن في منتصف القرن العشرين تغيرت قوانين اللعبة تماماً. لأن اختراع الراديو قلب المشهد؛ فالمنازل التي كانت بمنأى عن الضجيج التجاري أصبحت فجأة مفتوحة على موجات صوتية تحمل رسائل لا تنقطع، وللمرة الأولى استطاع تجّار الاهتمام اقتحام الحياة الخاصة للعائلات داخل المنازل.

ويضرب لنا الكاتب مثالاً بالنجاح الكبير الذي حققه المسلسل الإذاعي آموس آند آندي في ثلاثينات القرن الماضي، حين كانت الأسرة تجتمع في موعد واحد حول جهاز الراديو للاستماع إلى حلقاته. لم يكن الأمر مجرد ترفيه، بل أشبه بطُعم متقن الصنع، يقدّم لحظات المتعة ليصطاد في المقابل عقولهم وأوقاتهم الثمينة.

ثم جاء التلفزيون ليعلن ذُروة صراع الاستحواذ على الوعي، فقد نجحت تلك الصناديق المضيئة في جذب انتباه الأسر وانتزاع عقول الكبار قبل الصغار. ورغم أن النماذج المبكرة كانت باهظة الثمن، إلا أنه انتشر بسرعة مذهلة في المنازل الأمريكية، حيث قفز عدد من يملك هذا الجهاز من 9 بالمئة إلى 72 بالمئة في أقل من عشر سنوات، وقد سجلت التقارير آنذاك أن الفرد الواحد يقضي نحو خمس ساعات يومياً أمام الشاشة.

كما أظهرت الأبحاث أن سر هذا الجذب الطاغي يكمن في قدرة الصور المتحركة على خلق حالة من التماهي العاطفي والعقلي، عبر تفعيل الخلايا المرآوية داخل الدماغ. وفي تلك اللحظات من الانغماس، يصبح توجيه الانتباه والتأثير في العقول مهمة غاية في السهولة.

عالم المشاهير وقدواتنا المزيفة

ما حدث بعد ذلك يشبه تماماً ما يفعله الفيروس داخل الجسد، بمجرد أن يكسر الحماية يبدأ في الانتشار. ففي لحظات التشتت يسهل تمرير الرسائل التجارية والسياسية وحتى الأيديولوجية، وهذا ما أتقنه تجار الاهتمام بشكل مرعب، فقد أدركوا مثلاً الميول الإنسانية الفطرية نحو تعظيم كل ما يبدو مُلهِماً أو خارقاً.

ومع تراجع النفوذ الديني في الغرب وصعود النظرة المادية، وُجِّه هذا الميل الفطري بعيداً عن المقدّس الروحي، ليُصبّ في شخصيات بشرية تُقدَّم بصورة مثالية؛ من المظهر إلى القوة إلى المكانة. وهكذا تحوّل بعض المشاهير إلى نماذج تُقتدى، وتحوّلت تفاصيلهم الصغيرة—من طريقة اللباس إلى قصّات الشعر وأساليب العيش—إلى موجات تنتشر بسرعة البرق.

وكان أوّل دليل صارخ على نجاح هذا التوجّه ما حققته مجلة بيبل المتخصّصة في أخبار المشاهير من ممثلين ومطربين ورياضيين؛ إذ سرعان ما تصدّرت عام 1991 قائمة المجلات الأكثر مبيعاً في العالم، بعد سنوات قليلة فقط من انطلاقها. وهنا تفطن تجار الاهتمام إلى حيلة جديدة يسميها الكاتب بدمقرطة الشهرة، أي تحويل الشهرة من امتياز نادر إلى صفة متاحة للجميع. وجاءت البداية عبر برامج الواقع التلفزيوني، التي منحت أشخاصاً عاديين فرصة الظهور تحت الأضواء، لتُصنع منهم وجوهاً مشهورة لا تنتمي إلى عالم الفن أو الرياضة.

السوشال ميديا الخطر الأكبر

ومع وصول الهواتف الذكية وانتشار منصّات التواصل، برز ما يسميه الكاتب الشهرة المصغّرة؛ حيث أصبحت الإنترنت فضاءً مفتوحاً يتيح لأي شخص أن يصنع صورته الخاصة، إيجابية كانت أو سلبية. غير أنّ ميزان الشهرة هنا لا يُقاس بالإنجاز أو القيمة، بل بعدد المتابعين ونسب المشاهدة، ما جعل المحتوى السلبي والأكثر إثارة هو الأسرع انتشاراً والأقوى تأثيراً.

ولفهم حجم الضرر، يكفي النظر إلى ما كشفته الدراسات حول تأثير إنستغرام على الصحة النفسية للشباب، إذ ارتبط استخدامه المتكرر بارتفاع مستويات القلق وتراجع احترام الذات، نتيجة المقارنة الدائمة مع صور وحياة تبدو مثالية، لكنها في الغالب بعيدة عن الواقع.

الأخطر من ذلك ما أحدثه تيك توك وثقافة المقاطع القصيرة؛ إذ كشفت الأبحاث عن آثار عميقة على البنية العصبية لدى المستخدمين المفرطين. فإحدى الدراسات أظهرت أن الاستهلاك المكثّف للفيديوهات القصيرة يرتبط بتراجع واضح في نشاط الانتباه والوظائف المتعلقة به داخل الدماغ. وقد سجّل المشاركون الأكثر ميلاً لإدمان هذا النوع من المحتوى أداءً أضعف في مهام تتطلّب تحكّماً وتركيزاً ذهنياً، مقارنة بغيرهم.

هذا التراجع دفع عدداً من الباحثين إلى استخدام مصطلح "تعفّن الدماغ" لوصف الحالة التي تنشأ عندما يستنزف العالم الرقمي مواردنا العصبية شيئاً فشيئاً، ويقوّض قدرتنا على التركيز والاستيعاب في المهام التي تتطلّب حضوراً ذهنياً متصلاً.

كيف نعالج مشكلة تعفن الدماغ؟

من المهم أن تعي أن الدقائق التي تمضيها في متابعة أخبار المشاهير أو التجوّل بين منصّات التواصل ليست بلا قيمة كما قد تظن؛ فهناك من يستثمرها جيداً ويحصد منها أرباحاً طائلة. بينما تكون حصيلتك أنت غالباً مزيداً من الوقت المهدور، وتراكم آثار نفسية ومعرفية قد يمتد أثرها مع مرور الأيام. ولتفادي هذا المسار المرهِق:

  • تنظيم وتقليل وقت الشاشة: يساعد على منع إدمان التصفح ويحميك من الإرهاق الذهني، كما يمنحك وقتًا أكبر لأنشطة أكثر فائدة.
  • تنقية المحتوى والتركيز على المفيد: اختيار محتوى هادف يثري تفكيرك ويقلل التأثيرات السلبية للمحتوى المشتت أو غير النافع.
  • ممارسة أنشطة مجهدة للدماغ: كالقراءة والتمارين الذهنية، فهي تعزز التركيز، تنشط الذاكرة، وتعيد للدماغ حيويته من جديد.

وبهذا تكون قد قطعت الطريق عن أولئك الذين يتاجرون باهتمامنا، ووضعت قدمك على طريق التعافي الحقيقي، الذي سيسمح لك باسترجاع قدرتك على التركيز من جديد، وتتخلص نهائياً من مشكلة تعفن الدماغ.

شاهد الفيديو من هنا
تعليقات