ما هي اللغة التي تكلم بها سيدنا آدم عليه السلام؟
كثيرًا ما نصادف كلماتٍ أجنبيةً تتشابه في نطقها أو دلالتها مع ألفاظٍ عربية، فهل يُعَدّ ذلك محضَ مصادفة؟ أم أنّ ثمّة أصلًا مشتركًا يجمع اللغات التي ينطق بها البشر اليوم؟ وإذا صحّ هذا الاحتمال، فما ذلك الأصل؟ وبعبارةٍ أخرى: ما اللغة الأولى التي تكلّم بها أوّل البشر، سيّدنا آدم عليه السلام؟
العربية أصل كل اللغات
يذكر الدكتور مصطفى محمود رحمه الله في كتابه "عالم الأسرار" أنّ هذا السؤال كثيرًا ما شغل فكره وأرقه، وبعد رحلة بحثٍ طويلة عثر على ضالته في كتابٍ إنجليزي بعنوان "العربية أصل اللغات." وقد خلصت مؤلفته، وهي متخصصة في علم اللغويات، إلى نتيجةٍ جازمة مفادها أنّ اللغة العربية هي الأصل والمنبع الأول لجميع لغات العالم، وأنها اللغة التي جرت على لسان سيّدنا آدم عليه السلام.
وأوّل الأسباب التي قادتها إلى هذه النتيجة يتمثّل في سَعة اللغة العربية وثرائها، في مقابل ضيق اللغات الأخرى وفقرها النسبي؛ فاللغة اللاتينية لا تضمّ سوى نحو سبعمائة جذر لغوي، بينما لا تتجاوز الجذور في السكسونية ألفي جذر، وهو عددٌ ضئيل لا يُقاس بما تمتاز به العربية من ثراءٍ بالغ، إذ تضمّ ما يقارب ستة عشر ألف جذر لغوي. ويضاف إلى هذه السَّعة سعة أخرى في التفعيل والاشتقاق والتركيب.
الاشتقاق والتركيب والتلوين
مثلاً كلمة Tall الإنجليزية وكلمة طويل العربية؛ زيادة على التشابه الكبير في النطق، فاللفظة الإنجليزية جامدة لا يخرج منها شيء. بينما نجد اللفظة العربية تخرج منها مشتقات وتراكيب بلا عدد: مثل طال، يطول، طائلة، وطويل، وطاولة، ومستطيل، وكلمات أخرى كثيرة. نفس الشيء أيضًا في كلمة Good الإنجليزية وجيد العربية؛ كلاهما متشابه في النطق، ولكن الكلمة العربية يخرج منها الجود، والجودة، والإجادة، ويجيد، وجواد.. إلخ، بينما اللفظة الإنجليزية جامدة لا يخرج منها شيء. وفي علم اللغويات هذا دليل قاطع أن تلك الكلمات مأخوذة من اللغة العربية.
و يضيف الدكتور مصطفى محمود نقطة أخرى تجعل اللغة العربية متفوقة على باقي اللغات؛ وهي قدرة اللفظة الواحدة على إعطاء أكثر من معنى بمجرد تلوين الوزن؛ مثلاً رحمن ورحيم، فيض وفيضان، رضى ورضوان، وقد يؤدي هذا التلوين الطفيف في بعض الأحيان إلى تغيير المعنى إلى العكس مثل قاتل وقتيل. هذه القدرة على التلوين تختص بها فقط اللغة العربية، بينما لا يجد الإنجليزي بُدّاً من استخدام كلمتين للتعبير عن الجيد والأجود.
قوة الحرف العربي
ثم يشير الدكتور مصطفى محمود إلى ميزة أخرى ينفرد بها الحرف العربي، وهي أنه بذاته له رمزية ودلالة ومعنى. فحرف الحاء مثلاً نراه يرمز للحدة والسخونة مثل: حمى، وحرارة، وحب، وحرق، وحقد، وحميم، وحرام، وحكّة، وحاد... بينما نجد حرفاً آخر مثل الخاء يرمز إلى كل ما هو كريه وسيئ ومنفّر، لذلك يستخدم في كلمات مثل: خوف، خزي، وخجل، وخيانة، وخلاعة، وخذلان، وخنزير، وخسيس... هذه الرمزية الخاصة بالحرف العربي التي تجعله بمفرده ذا معنى، شيء يتميز به عن سائر حروف اللغات الأخرى، ولذا نجد بعض سور القرآن أحياناً تبدأ بحرف واحد وكأن الحرف بذاته يعني شيئاً.
قوة الحرف العربي تمنح هذه اللغة القدرة على تشكيل عبارات وجمل قصيرة جداً، قد تحتاج اللغات الأخرى إلى سطور طويلة للتعبير عن نفس المعنى، ما يسهل على اللسان العربي الوصول إلى مراده بأقل الكلمات. وغنى اللغة العربية لا يتوقف عند هذا الحد، فهي أكثر لغة من حيث المترادفات، حيث تجد للكلمة الواحدة أحياناً مئات الكلمات المرادفة لها، فتجد للأسد مثلاً العديد من الأسماء، فهو الليث، والغضنفر، والسبع، والضرغام، والضيغم، والقسورة.. إلخ، وكل اسم منها يعكس صفة مختلفة في الأسد.
الخلاصة
من الطبيعي إذن كما يختم الدكتور مصطفى محمود في كتابه، أن يأخذ الفقير من الغني وليس العكس؛ أي من الطبيعي أن تأخذ اللاتينية والساكسونية والأوروبية واليونانية من العربية، لأنها الأكثر ثراءً وهي الأصل الأول لكل اللغات، ويُرفق في كتابه جدولاً طويلاً للعديد من الكلمات الأجنبية المأخوذة من العربية. لذلك هو يعتبرها بلا شك اللغة التي أوحى بها الله إلى سيدنا آدم عليه السلام، وكما قال تعالى: "وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا."