د. مصطفى محمود يعالجك من الإكتئاب

كيف يحميك الإيمان من الإكتئاب والأمراض النفسية؟

لقد شاع في زماننا هذا شيئ إسمه المرض النفسي، فضغوط الحياة الحديثة تركت آثارها وندوبها العميقة على نفوس البشر؛ فأنتشر الخوف والرهاب والقلق والإكتئاب، وعاثت أوجاع وصدمات الماضي فسادا في حياتنا. ولم يجد كثير منا بديلا عن التوجه للطب الحديث بحثا عن مسكن لصرخاته الداخلية وعقده النفسية. ولكن ماذا لو كان العلاج الحقيقي أقرب إلينا من عيادة الطبيب وأسهل بكثير مما نعتقد؟

الثقة في قائد السفينة

في كتابه "عالم الأسرار" يقول الدكتور مصطفى محمود رحمه الله، أن المؤمن لا يعرف شيئا إسمه المرض النفسي لأنه يعيش في حالة قبول وانسجام مع كل ما يحدث له من خير وشر. ويضرب لنا مثالا براكب الطائرة الذي يشعر بثقة كاملة في قائدها وبأنه يملك المهارة والكفاءة والعلم الكافي ليقود الطائرة ويجتاز بها العواصف والجليد والضباب ويحط بها بسلام على برّ الأمان. حتى أنه من فرط ثقته ينعس وينام في اطمئنان ويسلم جسده وحياته للقائد الماهر بلا مساءلة ولا مجادلة ويتمدد في كرسيه ساكن النفس في حالة كاملة من تمام التوكل.

وهذا كما يبين الدكتور مصطفى محمود هو نفس إحساس المؤمن بربه؛ الذي يقود سفينة المقادير ويدير مجريات الحوادث ويقود الفلك الأعظم. وثقته الكاملة في قدرته ورحمته وعدله عز وجل تجعله يعيش حالة من الطمأنينة والرضا، فيرى أن كل ما يجري عليه من أمور مما لا طاقة له بها هي في النهاية خير. وبذلك يكون عصيا على ان تكسره الأزمات أو أن تحطمه النوائب.

أمر المؤمن كله خير

فاذا اقعده المرض في فراشه قال في نفسه هو خير؛ لعل الله نجاني بمرضي هذا من شيئ أكبر. واذا تضررت زراعته من الجفاف لم يقنط وأيقن ان الله سيعوضه خيرا منها. وإذا فشل زواجه قال في نفسه الحمد لله الوحدة خير لصاحبها من جليس السوء. واذا أفلست تجارته قال الحمد لله، لعل الله علم أن الغنى سوف يفسدني وان مكاسب الدنيا ستكون خسارة يوم القيامة.

واذا مات له عزيز قال الحمد لله، فالله أولى بنا من انفسنا وهو يعلم متى تكون الزيادة في أعمارنا خيرا لنا ومتى تكون شرا علينا، وهو دائما يستحضر قوله تعالى: "وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ." من فهم هذه الآية وطبقها في حياته لن يحتاج الى حبيب يواسيه أو إلى طبيب يداويه. 

كما أن ثقة المؤمن بتقدير ربه تمنحه مناعة ذاتية وحالة من التوازن النفسي، فهو لا يبكي على ما فاته ولا يفرح فرح الغرور بما يأتيه، ما يجعله في حالة دائما من طمأنينة القلب وسكون النفس، وهو يرى بنور بصيرته ان الدنيا دار إمتحان وبلاء وأنها ممر لا مقر، وأنها ضيافة مؤقتة شرها زائل وخيرها زائل، وأن الشاكر فيها هو الكاسب والصابر هو الغالب. من أين لإنسان كهذا ان تغلبه الوساوس او أن تؤرقه الهواجس!؟

 المؤمن عصيّ على الانكسار

لذلك فالأمراض النفسية كما يضيف الدكتور مصطفى محمود التي يتكلم عنها أطباء النفس لها عند هذا الإنسان أسماء أخرى؛ فالكبت إسمه تعفف، والحرمان رياضة، والإحساس بالذنب تقوى، والخوف عاصم من الزلل، والمعاناة طريق الحكمة، والحزن معرفة، والشهوات درجات سلم يصعد عليها بقمعها ويعلو عليها بكبحها ليصل الى منازل الصفاء النفسي والقوة الروحية، والأرق فرصة ومدد من الله ونعمة تقربه منه عبر القيام والعبادة وليس مرضا يبحث له عن دواء.

والآلام بأنواعها الجسدية والنفسية هي رسائل إلاهية يستعين بها على غواية الدنيا ليستوحش منها ويزهد فيها. أما اليأس والحقد والحسد أمراض نفسية لا يعرفها ولا تخطر له على بال. والغل والثأر والإنتقام مشاعر بائسة تخطاها أيضا بالعفو والصفح والمغفرة. وهو لا يغضب إلا لمظلوم ولا يعرف العنف الا ردا على الظالم… كل هذه الأمراض بعيدة كل البعد عن ذلك الإنسان، الذي يعيش في حالة نفسية تسودها المودة والرحمة والصبر والشكر والحلم والسماحة والقبول… إنها نفسية الإنسان المؤمن التي لا تبحث عن دواء ولا تحتاج إلى طبيب.

 الإيمان كعلاج نفسي

لذلك كل العلاجات والدواءات التي ابتدعها علماء النفس في الغرب تقف عاجزة أمام النفس المؤمنة، التي لا تحتاج الى خرافات سيغموند فرويد وعقده وكوابيسه وتحليلاته المريضة، لأن المؤمن ارتفع بإيمانه عن الفلك الحيواني ووصل الى فلك آخر نوراني لا يعرفه علم النفس الغربي. إن ذلك الإيمان حسب د. مصطفى محمود هو الشفاء الحقيقي للنفوس وبلسم الروح البشرية، قال تعالى: "وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَىٰ مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ ۙ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ."

إذن وحده الإيمان الصحيح ما يصلح البال ويشفي النفس، وينقذها من شتات الدنيا وضغوط الحياة؛ فبه ينقشع ضباب الرغبات وتنطفئ نار الشهوات وينكفؤ العبد عن الملذات والمغريات، ويصبح أملك لنفسه وأقدر على قيادتها. فيتحرر من الخوف على الدنيا وحتى الموت عنده يصبح تحررا وانطلاقا ولقاءا بحبيب.

إنها نفس لا تعرف مرضا أو اكتئاب فهي على العكس نفس متفائلة تؤمن بأنه لاوجود للكرب مادام هناك رب وأن العدل قائم مادام هناك عادل، وأن باب الرجاء مفتوح ما دام المرتجى والقادر حي لا يموت. لذلك الوحدة بالنسبة إليها ليست وحشة بل أنسا وليست خواء بل امتلاء وليست فراغا بل انشغال وليست صمتا بل حوار داخلي  وليست خوفا بل حضن آمن في حضرة القوي العزيز.

كما ان النفس المؤمنة لا تعرف الملل ولا البلادة ولا الكآبة، فهي في دهشة طفولية دائمة من آيات القدرة الإلهية، وهي تعيش نشوة الجمال في كل ما تراه من إبداع الخالق الذي أحسن كل شيئ؛ من أكبر مجرة الى أصغر ذرة. وكلما اتسعت مساحت العلم اتسع أمامها مجال الادهاش وتضاعفت النشوة. ووسط كل ذلك لن تجد تلك النفس وقتا للانشغال بعيوبها ومشاكلها، فهي في رحلة مستمرة لتخطي ذاتها والتسامي على آلامها، وطريقها إلى ذلك هو طريق الأنبياء تمشي على خطاهم وتستمد منهم ما فيه شفاء لها من كل داء.

 الخلاصة

في الختام يقول الدكتور مصطفى محمود أن الدين وطاعاته ومجاهداته هو السبيل الى ميلاد تلك النفس وخروجها من شرنقتها الطينية، ولا سبيل آخر لميلادها؛ فالعلم يلد غرورا والفن يلد تبلدا وفتورا.. والدين وحده هو المِحضن الذي تتكامل فيه النفس وتبلغ غايتها. لذلك نجد كثيرا من العلماء مرضى القلوب والنفوس، وكثير من الفنانين متبلدين غرقى في اللذائذ الحسية، والدين وحده هو سبيل النفس الى كمالها ونجاتها وشفائها… فالنفس المؤمنة هي قارب النجاة وهي حفظ من أي مرض نفسي ولا حاجة لها في طب هذه الأيام، فحياتها في حد ذاتها وصفة للسعادة.

شاهد الفيديو من هنا
تعليقات