هل القرآن الكريم نص بشري أم كلام الله؟
كثيرة هي الكتب التي ألفها البشر على مر التاريخ، والتي كان لها من الأثر والحجة والبيان ما يعجز عن وصفه اللسان. أليس من الممكن إذن أن يكون القرآن أيضًا من تأليف البشر؟ ما المانع من ذلك.. وما هو الدليل الذي قد يجعلنا نصدق أنه فعلاً كلام الله الذي أنزله على نبيه محمد ﷺ؟ في كتابه "الإسلام يتحدى" يقول المفكر الهندي الكبير وحيد الدين خان رحمه الله:
أول خاصة يتنبه إليها الباحث في العلوم القرآنية هي ذلك التحدي الصريح الذي وجهه القرآن إلى الناس كافة منذ أربعة عشر قرنًا، وبخاصة أولئك الذين ينكرون رسالة القرآن، ولم يستطع أحد من البشر أن يرد التحدي إلى الآن.
القرآن يتحدى الجميع
وما يقصده وحيد الدين خان هنا هو ذلك التحدي الذي جاء بصوت عالٍ بلا إبهام ولا غموض في قوله تعالى: "وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَىٰ عبدنا فَأْتُوا بِسُورةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ." يصف الكاتب هذه الآية الكريمة بأنها أغرب تحدٍ في التاريخ، وأكثره إثارة للدهشة.
فلم يجرؤ أحد من الكتاب على مر العصور أن يرفع تحديًا مماثلاً، لعلمه أن كل عمل بشري قابلٌ للنقد والتقليد وهو ليس في منأى من أن تشوبه شائبة أو أن يعتريه نقص أو فساد. والأعجب أن التاريخ قد بين فعلاً إخفاق البشرية في مواجهة هذا التحدي. وهذا الدليل حسب وحيد الدين خان يثبت تلقائيًا أنه كلام يستحيل أن يصدر عن بشر.
وينقل لنا وحيد الدين خان بعض الوقائع من صفحات التاريخ، غرَّ أصحابها الغرور وحاولوا مواجهة هذا التحدي لكنهم انتهوا إلى الخيبة والفشل؛ ومن هذه الوقائع ما حدث مع الشاعر العربي لبيد بن ربيعة الشهير ببلاغة شعره وفصاحة لسانه، الذي علق على أبواب الكعبة أبياتًا من الشعر ردًا على تحدي محمد ﷺ، رآها أحد المسلمين فأخذته العزة بدينه وعلق بجوارها أبياتًا من القرآن الكريم، وعندما مرّ لبيد بجوار الكعبة أذهلته الآيات القرآنية فصاح قائلاً: "والله ما هذا يقول بشر، وأنا من المسلمين." وإلى اليوم لا يزال هذا التحدي قائمًا ومستمرًا.
نبوءات غيبية في القرآن الكريم
والجانب الثاني من عظمة القرآن الكريم يتجلى في نبوءاته المختلفة، والتي أثبت الوقت صدقها وصحتها. يقول وحيد الدين خان:
إن عددًا كبيرًا من أذكياء الناس ومن العباقرة، قد جرؤوا على أن يتنبأوا عن أنفسهم أو عن غيرهم. ولكننا نعرف أن الزمان لم يصدق هذه النبوءات مطلقًا بل جاء يكذبها بكل قسوة. والزمن نفسه هو الذي أثبت صحة ما جاء في القرآن من التنبؤات رغم أنها جميعًا جاءت في أحوال غير مواتية.
فنجد مثلاً أن نابليون بونابرت أعظم قواد الجيوش في عصره، يتنبأ لنفسه وهو في أوج قوته وعنفوانه بأنه سيكون ندًا لقيصر والإسكندر المقدوني، ولكنه انتهى به القدر مهزومًا شر هزيمة ومات وحيدًا في المنفى على جزيرة بعيدة. ويأخذ أدولف هتلر الغرور وهو يرى جيوشه تجتاح أوروبا شرقًا وغربًا فيقول في خطاب له إنه يسير في طريقه وهو واثق بأن النصر والغلبة كتبت له، ولكنه مصيره كان الهزيمة ثم الانتحار.
ووسط كل هؤلاء لا نجد غير القرآن الذي تحققت نبوءاته حرفًا حرفًا رغم أنها جاءت في ظروف غير مواتية. ففي بداية دعوى النبي وقفت الجزيرة العربية كلها في وجهه، ووجد نفسه ﷺ محاصرًا بين ثلاث جبهات: أولها القبائل المشركة، وثانيتها الرأسمالية اليهودية، وأخيرًا المنافقون الذين حاولوا إفشال الدعوة النبوية من الداخل، وكان الرسول ﷺ يحارب على كل الجبهات دون أن يسانده إلا حفنة من المهاجرين والأنصار.
فتنزل هذه النبوءة الربانية وهم في أشد حالات العوز والضعف، خائفين يترقبون الأعداء من كل جانب فيبشرهم القرآن بقوله تعالى: "كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي"، وقوله أيضًا: "هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ."
ولم تمضِ على هذه البشرى فترة طويلة حتى انقلب ميزان القوة، وأيد الله عز وجل نبيه بنصر مظفر ووجد المسلمون الجزيرة العربية كلها تحت أقدامهم. لذلك يؤكد الكاتب أنه ليس بوسعنا بعد هذا إلا أن نسلم بأن صاحب هذا الإخبار بالغيب لم يأتِ به من عند نفسه، وإنما كان خليفة عن الله؛ فلو أنه كان إنسانًا عاديًا لاستحال أن تصنع كلماته أقدارَ التاريخ.
القرآن والكشوف العلمية الحديثة
والميزة الثالثة في القرآن التي تبين صدقه وحقيقته كما يبين وحيد الدين خان، هي موافقة ما جاء فيه مع الكثير من الكشوفات العلمية الحديثة. ورغم أن القرآن ليس كتابًا علميًا، بل جاء كمنهج وهداية روحية؛ إلا أنه لا يخلو من بعض الإشارات والتلميحات العجيبة، التي يقسمها الكاتب إلى قسمين رئيسيين:
القسم الأول: ما عرف عنه الإنسان أمورًا جانبية وسطحية
حيث هناك أشياء كثيرة كان يعرف عنها الأقدمون بعض المعارف الجزئية، إلا أنها تظل ناقصة بالنسبة للمعرفة التي أتيحت للإنسان اليوم. لذلك فالقرآن استخدم مصطلحات وتعبيرات لا تستوحشها أذواق الأقدمين ومعارفهم، مع إحاطته بكشوف العصر الحديث.
وعلى سبيل المثال تقول الآية الكريمة: "اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا"؛ وهذا يطابق ما كان يراه الإنسان القديم؛ فيرى الشمس والقمر والنجوم معلقة في السماء بلا ساريات أو أعمدة، والإنسان الحديث يراها أيضًا مطابقة لما اكتشفه من قانون الجاذبية الذي يثبّت الأجرام في الفضاء بلا عمد مرئية.
ومثال آخر في قوله تعالى: "يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا"؛ هذه الآية تشرح للإنسان القديم سر مجيء الليل بعد النهار ولكنها تحوي أيضًا إشارة رائعة إلى دوران الأرض محوريًا، وهو ما وصل إليه الإنسان الحديث من فهم لتعاقب الليل والنهار. وينقل لنا الكاتب شهادة رائد الفضاء الروسي يوري غاغارين بعد دورانه في الفضاء حول الأرض؛ حيث وصف المشهد بتعاقب سريع للظلام والنور على سطح الأرض بسبب دورانها المحوري.
القسم الثاني: ما لم يعرف عنه الإنسان القديم شيئًا
وقد تناول القرآن تلك الموضوعات كاشفًا عن أسرار بالغة الأهمية، أثبتت الدراسات والكشوف من مختلف فروع العلوم الحديثة صدقها وصحتها، ومن تلك الكشوف:
- في علم الفلك
يطرح القرآن الكريم فكرة معينة ومحدودة المعالم حول بداية الكون المادي ونهايته، لم يعرفها الإنسان الحديث إلا مؤخرًا. ويعبر القرآن عن بداية الكون بقوله تعالى: "أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا"، وأما عن نهاية الكون فهو يقول: "يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاء كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ." أي أن الكون في البداية كان منكمشًا ومتماسكًا كالرتق، ثم بدأ يتمدد في الفضاء. ويمكن رغم هذا التمدد تجميعه مرة أخرى في حيز صغير. وهذه هي الفكرة العلمية الجديدة عن الكون.
فقد توصل العلماء إلى أن المادة في الكون كانت متماسكة في صورة غاز ساخن وكثيف، ثم حدث انفجار شديد في هذه المادة قبل خمسة آلاف مليون سنة على الأقل، فبدأت المادة تتمدد وتتباعد أطرافها. ولا تزال عملية التمدد والتوسع هذه مستمرة بلا توقف. وأما الأمر الآخر فيرى علماء الفلك أيضًا أننا لو طوينا كل شيء في الكون دون أن نترك للفضاء أو الفراغ مكانًا فسيكون حجمه الكلي 30 ضعفًا فقط من حجم الشمس.
وفي علم الفلك دائمًا، توصل العلماء من خلال أبحاثهم إلى أنه لا بد في المستقبل القريب أن يقترب القمر من الأرض، حتى ينشق من شدة الجاذبية وتتناثر أجزاؤه في الفضاء. ونتيجة لهذا الاقتراب ستكون كارثية على الأرض أيضًا؛ بحيث تزيد قوة المد والجزر البحري حتى يبلغ طول الأمواج ستين مترًا ما يؤدي إلى طوفان شديد يغرق معظم اليابسة، وسوف تحدث شقوق مروعة على ما تبقى من الأرض من قوة الجاذبية، مما يعني نهاية الحياة على الأرض أو الفناء. ألا يصدق هذا قوله تعالى: "اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ."
- في علم طبقات الأرض
بعيدًا عن علم الفلك، يتحدث القرآن عن كون الجبال أرسيت في الأرض حفاظًا على توازنها، ومن ذلك قوله تعالى: "وَأَلْقَى فِي الأرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ." وبقيت هذه الآية لغزًا عجز البشر عن حله طيلة ثلاثة عشر قرنًا الماضية، حتى وصل دارسو الجغرافيا الحديثة إلى ما يسمونه بقانون التوازن. يقول فون إنجلن أحد علماء الجغرافيا:
من المفهوم الآن أن المادة الأقل وزنًا ارتفعت على سطح البحر مكونة الجبال، على حين تحولت أماكن المادة الثقيلة لخنادق هاوية مشكلة البحار العميقة، وهكذا استطاع الارتفاع والانخفاض أن يحافظا على توازن الأرض.
وفي آية أخرى يقول الله عز وجل:"وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا"، والدحو في اللغة العربية معناه تسوية الشيء ونثره، فيقال مثلاً: دحا المطر الحصى عن وجه الأرض. وهذا يتطابق تمامًا مع نظرية طرحت سنة 1915 لأول مرة تسمى نظرية تباعد القارات. حيث اكتشف خبير طبقات الأرض الأستاذ ألفريد فاجنر أن القارات جميعًا كانت كتلة واحدة قبل أن تتجزأ على شكلها الحالي، ولو قربت سوف تتماسك من جديد تمامًا كلعبة البازل.
- في علم الأغذية
وأخيرًا يبين وحيد الدين خان ثالث مجال علمي أشار إليه القرآن وهو علم الأغذية. فنجد مثلاً أن الإسلام حرم أكل الدم، ولم يكتشف السبب إلا حديثًا حيث كشفت الدراسات والتحليلات أن الدم يحوي كمية كبيرة من حمض البوليك؛ وهي مادة سامة لو استعملت غذاءً. وهذا يقودنا إلى سر آخر وهو الطريقة الإسلامية في ذبح الحيوانات، التي تهدف إلى إخراج الدم من جسم الحيوان بقطع الوريد الرئيسي المتواجد في العنق ومنع تسمم اللحم.
كما أن لحم الخنزير أيضًا حرم أكله لهذا السبب أيضًا، فقد كشف العلم أن لحمه يحتوي على كمية كبيرة من حمض البوليك، أكثر من أي حيوان آخر على الأرض. فباقي الحيوانات تتخلص عن طريق البول من نسبة كبيرة من هذا الحمض، ولكن الخنزير لا يتمكن من إخراج حمض البوليك إلا بنسبة اثنين بالمئة فقط، والباقي يصبح جزءًا من لحمه. لذلك آكلو لحم الخنزير يشكون بكثرة من آلام المفاصل والروماتيزم وأمراض أخرى كثيرة.
الخلاصة
يختم وحيد الدين خان هذا بتأكيده أن الباحث في القرآن الكريم يجد أمثلة لا حصر لها، وهي دليل قطعي على أن القرآن صادر عن عقل غير إنساني. وقد قصد الله عز وجل أن يشير إليها في كتابه حتى تضل برهاناً على عظمة خلقه وصدق رسالته، وكما قال عز وجل: "سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لهم أَنَّهُ الْحَقُّ."