رمضان فرصة للتغلب على شيطان الشهوة

كيف نستغل رمضان لتعلم ضبط النفس وكبح الشهوة؟

أصعب امتحان يواجه الإنسان في حياته هو امتحان الشهوة؛ حيث يجد نفسه أمام فتن لا حصر لها من متع وملذات وجمال ومغريات.. لكن الدين جعله مقيد الحرية ومكبل الإرادة، لا يستطيع أن يحصل على ما يريد وقت ما يريد. هل يريد الله أن يعذبنا بذلك؟ لماذا يخلُق لنا فمًا ومعدة لنأكل ثم يفرض علينا الصيام! ولماذا يخلُق الجمال والشهوة ثم يحرمنا منها بغض البصر والتعفف! لماذا يخلُق فينا الشيء ثم يمنعنا عنه؟

أهمية التغلب على الشهوة

في كتابه "الإسلام ما هو" يشبه الدكتور مصطفى محمود رحمه الله جسد الإنسان بالحصان، الذي أوجده الله لتركبه لا ليركبك، لتقوده وتخضعه لا ليقودك ويخضعك. وجسمك هو حصانك المخلوق لك لتركبه وتحكمه وتقوده وتلجمه وتستخدمه لغرضك، وليس أن يستخدمك هو لغرضه وأن يقودك هو لشهواته. وإن حدث ذلك وتنازلت عن دَفة القيادة وصرت تابعًا لا متبوعًا، حينها تكون قد خسرت نفسك وضيعت إنسانيتك.

فالقدرة على التحكم في الشهوة وقيادة الهوى ولجام المعدة هي علامة الإنسان، فكما يقول الدكتور مصطفى محمود: "أنت إنسان فقط في اللحظة التي تقاوم فيها ما تحب وتتحمل ما تكره. أما إذا كان كل همك هو الانقياد لجوعك وعطشك وشهواتك، فأنت مجرد بهيمة تغريك أنثى وتحركك حزمة علف وبرسيم وتردعك عصا." وما لهذا خلقنا الله عز وجل.

لذة القرب من الله

ولكن قد تتساءل وما الهدف من هذا؟ ألن يكون من الأسهل أن نعيش حياة الحيوانات، التي لا حدود فيها للشهوات والملذات! في الحقيقة كما يبين د. مصطفى محمود أن الله أمرنا بتسلق شهوة الجسد حتى نصل إلى شهوة أرفع، نستشعر فيها لذة القرب منه عز وجل ومتعة الجلوس في جواره، وتلك مكانة رفيعة لا يبلغها إلا من تخفف من أحمال الجسد ونزواته الملحة، جاء في الحديث القدسي: "يابن آدم خلقتك لي وخلقت الأشياء لك فلا تشتغل بما هو لك عما أنت له."

لهذا سخر الله لنا الطبيعة بقوانينها وثرواتها وكنوزها، وجعلها بفطرتها تطاوعنا وتخدمنا دون جهد أو عناء منا؛ فيحمل الجمل أسفارنا، ويحرس الكلب ديارنا، وتنفعنا الأنعام بلحومها وجلودها. سخر لنا كل هذا ليس لأن نكون مثلهم ونعيش حياتهم، بل حتى تكون عونًا لنا لبلوغ غايتنا القصوى وهدفنا الأسمى ومقصدنا الأعظم؛ وهو الوصول إلى الله والتعرف عليه والاستمتاع بقربه، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ"، وقال أيضًا: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ."

مدرسة الصيام في رمضان

لذلك يعتبر الدكتور مصطفى محمود أن الحياة رحلة تعرف على الله، والمعرفة المؤكدة وحدها تؤدي إلى العبادة الصادقة، فالعبادة لا تكون إلا عن معرفة. فكما نذوب حبًا بالفطرة عند التعرف على الجمال الحسي، كذلك سنفنى حبًا في لحظة تعرفنا على جامع الكمالات ونبع الجمال كله. الآن أنت تتساءل؛ وكيف أتخلص من أثقال الجسد ونزواته الحسية للوصول إلى هذه المرحلة!؟

هي بلا شك طريق طويلة ورحلة مضنية، وهنا تتدخل الشريعة الإلهية لتمدنا بالعون وترشدنا في هذه الطريق. فالصيام مثلًا كما يبين د. مصطفى محمود هو تمرينك الأول في هذه الرحلة؛ إنه التدريب على ركوب الفرس وترويضه وتطويعه بتحمل الجوع والمشقة، وهو درس الانضباط والأدب والطاعة. والعبادة بشكل عام تقوم على جهاد النفس وترويضها، ومن فشل في ذلك لن ينال شرف القرب منه والتمتع في جواره.

الخلاصة

لذلك كما يختم د. مصطفى محمود في كتابه إياك أن تضيع هذه الفرصة في هذا الشهر المبارك، اجعل من الصيام تمرينًا لهزيمة نفسك الأمارة بالسوء، تفرغ فيه للعبادة والذكر وروض بدنك على الطاعة ولا تستسلم لمغريات الحياة الحديثة، ذلك هو الصيام الرفيع الذي يعينك على ركوب دابة الجسد لتكدح إلى الله بالعمل الصالح والقول الحسن والعبادة الحقة. أما صيام النوم والتكاسل والمسلسلات والنرفزة وضيق الصدر.. فالله في غنى عن هكذا صيام وهو يرده على صاحبه ولا يقبله، فلا يُنال منه إلا الجوعُ والعطش.

شاهد الفيديو من هنا
تعليقات