ما هو سر انضباط وتميز الإنسان الياباني؟
شاهدت منذ فترة وثائقيًا عن القطارات في اليابان، وقد أثار انتباهي كونُها الأكثر انضباطًا في العالم، بحيث لا يحدد موعد وصول القطار بالساعة أو الدقيقة ولا حتى بالثانية، بل بأجزاء الثانية. تقول إحدى موظفات مترو طوكيو أنه في اليابان كلُ ما يزيد عن دقيقة يعتبر تأخرًا وإخلالًا بالموعد.
كما تعد ساعات العمل في اليابان الأطول في العالم، حيث تشير التقارير أن الموظف الياباني يعمل 80 ساعة إضافية شهريًا، دون أن تحتسب في راتبه. لذلك لو زرت اليابان لا تتفاجأ عند رؤية شخص ينام في القطار أو يغمى عليه في الشارع، غالبًا ذلك مرده الإجهاد في العمل.
طبعًا أنا لا أقول أن هذه ظاهرة صحية، فاليابان من أكثر الدول التي تعاني من القلق والاكتئاب. ولكن ذلك لن يمنعني من التساؤل: عن السر الذي جعل الفرد الياباني يملك كل هذا الالتزام والانضباط والتفاني في العمل؟ والإجابة عن هذا تبدأ بفهم خصائص الثقافة اليابانية، وسنقوم بذلك عبر عرض مجموعة من القواعد والفلسفات التي كان لها تأثير كبير على فكر وشخصية الفرد الياباني:
1. Osouji أو التطهير العظيم
وهي عادة قديمة، يستقبل فيها اليابانيون العام الجديد بتنظيف المعابد والأضرحة لطرد الأرواح الشريرة، وتمتد هذه الحملة لتشمل المنازل والشوارع والشركات والمدارس. يشارك فيها الجميع مهما كان سنه أو مكانته، فالنظافة في اليابان ليست مجردَ إزالة للأوساخ أو القذارة، بل هي طريقة لإحلال النظام والتوازن في الحياة؛ فهي بالنسبة لهم شفاء للروح وترتيب للعقل وشحذ للعاطفة.
والنظافة تقوم على ما يسميه اليابانيون بالسينات الخمسة: سايري وهي تعني الاستعداد للمستقبل برمي ما لا تحتاجه وما يرتبط بالماضي وذكرياته السلبية. سايتون وتعني إعادةُ ترتيب المكان بوضع كل شيء في موضعه المخصص. سايسو أي أن الجميع مسؤول عن النظافة بما في ذلك الأطفال صغار السن. سايكيتسو وهو امتلاك معايير تنظيف موحدة وقوانين يتبعها الجميع. شيتسوكي وتعني الالتزام بالنظافة بشكل مستمر ومنضبط. وبهذا يتعلم الياباني النظام والانضباط وتحمل المسؤولية في سن مبكرة.
2. Wabi Sabi أو الجمال في كل شيء
وهي فلسفة يابانية قديمة تركز على رؤية الجمال في كل شيء، يتعلم منها الإنسان الياباني البحث عن الجمال في الأشياء البسيطة، وتقبلُ حقيقة أن الحياة لا يفترض أن تكون دائمًا كاملة. ومن فلسفة الوابي سابي انبثق فن ياباني قديم يسمى كينتسوجي؛ فعوض رمي الأواني الفخارية المهشمة، يتم جمع البقايا وإعادةُ إلصاقها بسائل ذهبي، ما يضفي عليها لمسةَ فنية ساحرة، فيتحول الحطام إلى تحفة جميلة.
لذلك تُعلمنا فلسفة "الوابي سابي" أن نتخلى عن سعينا إلى المثالية؛ أنت لا تحتاج وظيفة كبيرة وسيارة فاخرة وامرأة فاتنة، فحتى الأشياء البسيطة لا تخلو من الجمال والحياة البسيطة لا تمنع السعادة. لذلك لا يحتقر اليابانيون العمل مهما كان متواضعًا، بل ينجزونه بكل حب وتفان وإتقان، ويجعلون منه نشاطًا ممتعًا يشحنهم بالطاقة والسعادة.
3. Ganbaru أو بذل قصارى الجهد
تعتمد الثقافة اليابانية على المثابرة والاجتهاد إلى أقصى حد دون استسلام أو خضوع، وهذا ما تعنيه كلمة "جانبارو". وقصة هذا الرجل المدعو شويتشي يوكوي تعبر بشكل واضح عن معنى كلمة جانبارو. كان يوكوي رقيبًا في الجيش الإمبراطوري الياباني، خدم في جزيرة "غوام" أثناء الحرب العالمية الثانية. وعندما استولت القوات الأمريكية على الجزيرة في عام 1944 اختفى يوكوي مع تسعة جنود يابانيين آخرين.
واصل يوكوي والجنود التسعة القتال حتى بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، كانوا يعيشون في الكهوف ويقتاتون على الصيد والثمار ويستعملون النباتات ولحاء الشجر لصناعة الملابس. فشلت كل محاولات إقناعهم أن الحرب انتهت، وواصل يوكوي القتال وحده بعد وفاة كل رفاقه ورفض الاستسلام. وبعد 28 سنة عثر عليه أحد السكان المحليين في الغابة وأقنعه بالعودة معه، وفعلاً عاد شويتشي يوكوي إلى اليابان سنة 1972 وهناك قال جملته الشهيرة: "نحن الجنود اليابانيين نفضل الموت على العار المتمثل في البحث عن النجاة."
4. Shoshin أو عقلية المبتدئين
يقول أحد الفلاسفةُ اليابانيين: "في ذهن المبتدئين هناك العديد من الاحتمالات، أما الخبراء فلا يملكون إلا القليل منها." تشير إحدى الدراسات التي نشرت سنة 2015، أن الأشخاص الذين يصفون أنفسهم بأنهم خبراء في مجال معين كانوا أكثر تمسكًا بأفكارهم المسبقة، على عكس من اعتبروا أنفسهم مبتدئين، حيث كانوا أكثر انفتاحًا لتعلم الأشياء الجديدة، هذا ما أطلق عليه الباحثون أثر الدوغمائية المكتسبة.
معظم الناس لا يحبون الأفكار الجديدة وإنما يبحثون على ما يؤيد أفكارهم القديمة، ربما لتأكيد تفوقهم على الآخرين، وأن أفكارهم هي الأصح وحججهم هي الأقوى. لذلك ترشدنا فلسفة "الشوشين" إلى أن نتحلى بعقلية المبتدئين، فنكون أكثر تواضعًا وانفتاحًا، كطفل صغير يدفعه فضوله إلى أن يرى في كل شيء جديد فرصة للاستفادة والتعلم. يقول الفنان بابلو بيكاسو: "استغرق الأمر مني عمرًا كاملًا لأتعلم كيف أرسم كطفل صغير."
5. Kaizen أو التحسين المستمر
كايزن ليس مجرد فلسفة بل هو أسلوب حياة، يعتمد على قانون محدد ينص على ما يلي: التحسينات الصغيرة المستمرة تؤدي إلى تقدم كبير على المدى البعيد، أي أن تطوير قدراتك وتعزيز مهاراتك بشكل يومي - وإن كان بسيطًا - هو أفضل لك من تقدم كبير يعقبه ركود أو توقف. فالوصول إلى الهدف الكبير لا يكون بقفزة واحدة كبيرة، بل بخطوات صغيرة متتالية ومستمرة، وهو ما يحتاج منك الانضباط والالتزام.
تعتبر شركة تويوتا مثالًا حيًا لنجاح فلسفة الكايزن، فبعد الحرب العالمية الثانية تبنى رئيس قسم الإنتاج "تاييتشي أونو" أسلوب الكايزن لتحسين الإنتاجية وتقليل استهلاك المواد الأولية. فأمر العمال بالقيام بتحسينات مستمرة حتى وإن كانت صغيرة، والنتيجة كانت مبهرة؛ تمكنت تويوتا من تصنيع 10 ملايين سيارة في السنة لتكون أكبر منتج للسيارات في العالم. ولأننا نعيش اليوم في عالم سريع التطور فقد تحولت فلسفة كايزن إلى ظاهرة عالمية تعتمدها أكبر الشركات لتطوير خدماتها ومنتجاتها، ومن يعجز عن ذلك يكون مصيره الانهيار والفشل.
6. Ikigai أو سبب الوجود
ومعناه باختصار السببُ الذي يدفعك للاستيقاظ عند كل صباح، وقد وجد اليابانيون ذلك المعنى بالانغماس في العمل، وهذا ما يعرف بالتدفق؛ بحيث يتحول العمل إلى عملية ممتعة ومبهجة تضفي المعنى والسعادة على حياتنا. هذا ما يفسر قضاء الموظف الياباني أوقات إضافية في العمل من دون أن يحصل على علاوات مالية. إن ما يحصل عليه من لذة في العمل أغلى من المال والذهب.
ولكي يتحول العمل إلى سبب لوجودك ويضيف قيمة ومعنى لحياتك عليه أن يتوفر على أربعة أشياء مهمة: أن يكون عملًا تحبه، تؤديه بمهارة، يحتاج إليه العالم، ويمكن أن تتقاضى عليه أجرًا. اجتماع هذه العناصر الأربعة في العمل يساعدك على اكتشاف الإيكيجاي الخاص بك الذي يجعلك تستيقظ في نشاط وهمة عند كل صباح.