7 نصائح للتخلص من القلق و الوساوس

كيف تتخلص من القلق والوساوس وتبدأ حياة جديدة؟

إن قرحة المعدة لا يسبّبها ما نأكله، بل ما يأكلنا!

في ألعاب الفيديو نملك خاصية تمكننا من حفظ تقدمنا، حتى إذا فشلنا في إنجاز المهمة بشكل صحيح نرجع بالزمن إلى الوراء ونعيد المحاولة من جديد. تخيل.. لو أتيح لنا ذلك في حياتنا الواقعية وامتلكنا زر العودة ذاته! لو يمنحنا القدر فرصة ثانية! فنرجع بالزمن؛ نصلح خطأً، نغير قرارًا، ثم نتابع حياتنا من جديد. لكن المفاجأة أن هذه الفرصة ليست وهمًا ولا خيالًا… بل هي متاحة فعلاً، وفي هذه اللحظة بالذات. في كتابه "جدد حياتك" يمضي بنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في طريق الإصلاح، يفتح لنا منافذ الفهم، ويرشدُنا على هدي القرآن والسنة إلى كيف نجدد حياتنا.

1. جدد حياتك

كلٌّ منّا يتمنى أن يفتح صفحة جديدة في حياته؛ صفحة يكون فيها أصلب عزيمة، وأقوى التزامًا، وأحسن حالًا. لكننا دائما نقرُن ذلك التغيير المرغوب بموعد مع الأقدار المجهولة، كتحسن في حالنا أو تحول في مكانتنا أو حتى دخول موسم أو سنة جديدة… كأن المستقبل سيحمل معه معجزة توقظ فينا الإرادة المؤجلة. ولكن الشيخ الغزالي يعتبر هذا وهمًا، فالتجديد الحق لا يصنعه تبدّل الأزمنة ولا تغيّر الظروف، بل ينبع من أعماق الإنسان نفسه.

فالرجل المقبل على الدنيا بعزيمة وبصر لا تخضعه الظروف المحيطة به مهما ساءت، بل قد يستفيد منها ويحولها إلى صالحه، ويضرب لنا مثالًا ببذور الأزهار التي تطمر تحت أكوام الروث والتراب، فإذا بها تشق طريقها نحو الأعلى مستقبلة ضوء الشمس برائحتها المنعشة، فتحول الحمأ المسنون والماء الكدر إلى لون بهيج وعطر فواح. كذلك الإنسان إذا ملك نفسه ووقته، إنه قادر على أن يهزم ظروفه الصعبة دون انتظار إمداد خارجية، فبقواه الكامنة، وملكاته المدفونة، وفرصه المحدودة، يستطيع أن يبني حياته من جديد.

لذلك -كما يبين الشيخ- إياك أن تعلق بناء حياتك على أمنية يلدها الغيب، فإن هذا الإرجاء والتسويف لن يعود عليك بخير، وهذا يتوافق مع هدي النبي محمد ﷺ حين قال: "إنَّ اللهَ عزَّ وجلَّ يبسُطُ يدَه باللّيلِ ليتوبَ مسيءُ النّهارِ، ويبسُطُ يدَه بالنّهارِ ليتوبَ مسيءُ اللّيلِ، حتّى تطلُعَ الشَّمسُ من مغربِها." فالمؤمن في حركة تجديد لا تتوقف، أمّا التأجيل والتسويف، لا يعني إلا إطالةَ معاناتك وتمديدَ هزائمك.

2. عش في حدود يومك

من أعظم ما نقع فيه من أخطاء أن نشغل حاضرنا بأعباء المستقبل، فتسارع الوساوس والأوهام إلى اعتراض تفكيرنا المرسل، ثم تحوله إلى هموم جاثمة وهواجس مقبضة. وهنا يتساءل الشيخ محمد الغزالي: "لماذا تخامرك الريبة ويخالجك القلق؟! عش في حدود يومك فذاك أجدر بك وأصلح لك." لا داعي للتفكير في الغد وما سيحمله لنا من خير أو شر، أنت ابن هذه اللحظة وفيها من النعم ما يكفيك، قال رسول الله ﷺ: "من أصبحَ منكم آمنًا في سربِهِ، مُعافًى في جسدِهِ عندَهُ قوتُ يومِهِ، فَكَأنّما حيزت لَهُ الدّنيا." إنك تملك العالم كله حين تجمع هذه العناصر في يدك.. فاحذر أن تحقرها.

لكن للأسف يغلبنا في كثير من الأحيان التفكير في ما حرمنا منه من ثروة أو سلطة، ونستهين بما نتمتع به الآن من سلامة وطمأنينة في النفس والأهل، وهذه الاستهانة مُتلفة للدين والدنيا. روي أن رجلًا سأل عبد الله بن عمرو بن العاص: "ألستُ من فقراء المهاجرين؟ فقال له عبد الله: ألك امرأة تأوي إليها؟ قال نعم. قال ألك مسكن تسكنه؟ قال نعم. قال: فأنت من الأغنياء.. قال الرجل: فإن لي خادمًا. قال فأنت من الملوك." يعلق الشيخ محمد الغزالي على هذا بأن الاكتفاء الذاتي وحسن استغلال ما في اليد، نواة الراحة النفسية وسر الانتصار على الظروف المعنتة.

3. تخلص من سموم الحياة

نحن اليوم في سباق رهيب لإحراز أكبر حظ مستطاع من حطام الدنيا، وقد سخرنا لأجل ذلك كل طاقاتنا النفسية والبدنية. والنتيجة همّ وقلق مزمن. وقد كشفت الدراسات أن أغلب رجال الأعمال الناجحين يعانون من أمراض الضغط واضطرابات القلب وقرحة المعدة؛ وكل ذلك انعكاس طبيعي للتوتر الذي استبد بحياتهم، وأخذ من أعمارهم أكثر مما أعطى. وهنا يتساءل الشيخ محمد الغزالي: "أهذا هو ثمن النجاح! هل يعد ناجحًا ذاك الذي يشتري نجاحه بقرحة في معدته ولغط في قلبه؟ وماذا إذا كسب العالم أجمع وخسر صحته؟"

فلو أن أحدًا ملك الدنيا ما استطاع إلا أن ينام في سرير واحد، وما وسعه أن يأكل أكثر من ثلاث وجبات في اليوم. بل لعل العامل البسيط يستغرق في نومه ويستمتع بطعامه أكثر من صاحب الجاه والسطوة. وهنا يذكرنا الشيخ بحديث النبي محمد ﷺ: "مَنْ جَعَلَ الهَمَّ هَمّا واحدًا كفاهُ اللهُ همّ دُنياهُ، ومَنْ تشعّبتْ به الهمومُ لم يُبالِ اللهُ في أيّ أوديةِ الدّنيا هلَكَ." طبعًا كما يضيف الشيخ هذه ليست دعوة لإبطال أعمال الدنيا، فمن واجبنا أن نعمل ونجتهد، ولكن من الحماقة أن يتحول المال إلى هدف مقصود لذاته تذوب في جمعه المهج، وترتخص العافية، وتتكاثر الهموم، وتجتذب الأمراض.

4. لا تدع التوافه تغلبك على أمرك

يقص علينا ديل كارنيجي في كتابه الشهير "دع القلق وابدأ الحياة"، حكاية شجرة ضخمة عمرها أكثر من 400 سنة، تعرضت في حياتها لعشرات الصواعق، وهزتها العواصف العاتية طوال أربعة قرون متوالية، ومع ذلك ظلت جاثمة في مكانها كأنها جبل عتيد، ثم حدث أخيرًا أن زحفت جيوش الهوام والحشرات على هذه الشجرة الضخمة، فما زالت تنخر بها وتقرضها حتى سوتها بسطح الأرض، وجعلتها أثرًا من بعد عين.

يتساءل هنا الشيخ محمد الغزالي: "ألا ترانا مثل هذه الشجرة؟ أو لسنا ننجو من العواصف التي تعترض حياتنا ثم نستسلم بعد ذلك إلى التوافه التي تلتهمنا التهامًا! إن الأخطاء التي نراها تافهة قد تكون هي سبب دمارنا في الدنيا وخسارتنا في الآخرة." وهذا هو عين ما حذّر منه نبينا محمد ﷺ حين قال: "إياكم ومحقراتِ الذنوبِ فإنهُنَّ يجتمعنَ على الرجلِ حتى يُهلكنَهُ." وينسحب هذا المبدأ على شؤون الحياة كلها؛ حيث تشير الإحصاءات مثلًا أن أغلب قضايا الطلاق تقوم على خلافات تافهة، ونصف الجنايات تقوم على أسباب تافهة؛ فمن كلمة جارحة أو إشارة نابية ينتهي الأمر إلى ارتكاب جريمة.

5. لا تبك على ما فاتك

ليس ثمة ما يحزن الفؤاد ويعكر الحياة كالتحسر على الفرص الضائعة، والتقلب في الأوجاع الغائرة، وتذكر المآسي والأحزان الغابرة… يقول الشيخ: "لو أن أيدينا يمكنها أن تمتد إلى الماضي لتمسك حوادثه المدبرة، فتغير منها ما تكره، وتحورّها على ما تحب، لكانت العودة إلى الماضي واجبة، ولهرعنا جميعًا نمحو ما ندمنا على فعله، ونضاعف ما قلت أنصبتنا منه.. أما وذلك مستحيل فخير لنا أن نكرس الجهود لما نستأنف من أيام وليال، ففيها وحدها العوض." قال رسول الله ﷺ: "اسْتَعِنْ باللهِ وَلَا تَعْجِزْ، وإنْ أَصَابَكَ شَيءٌ، فلا تَقُلْ: لو أَنّي فَعَلْتُ كانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ: قَدَرُ اللهِ وَما شَاءَ فَعَلَ؛ فإنّ (لو) تَفْتَحُ عَمَلَ الشّيْطَانِ."

فالمؤمن لا يلتفت إلى الماضي إلا ليستقرئ أنباءه ويستخلص من خلاله العظة والعبر، عبر التزود من تجاربه وتجارب السابقين. وهذا هو هدف القرآن حين يقص علينا القصص ويأمرنا بالتدبر والتفكر في أحوال القرون الغابرة. وفي هذا الإطار — كما يوضح الشيخ — يجوز للإنسان أن يدرس تاريخه؛ أمّا أن يعود إلى الأمس القريب أو البعيد ليجدد حزنًا، وينكأ جرحًا، ليقول ليت ولو.. فهذا ما يكرهه الإسلام وينفر من التردّي فيه.

6. الثمن الباهظ للغضب

لقد قال أحد الأطباء يومًا عبارة بليغة: "إن قرحة المعدة لا يسبّبها ما نأكله، بل ما يأكلنا!" وهو يقصد بذلك ما يعتري الإنسان من غضب مكبوت وغيظ متراكم. ومن هنا يرى الشيخ محمد الغزالي أن الحِلم تجاه الخصوم رحمةٌ تعود على النفس قبل أن تكون إحسانًا للآخرين. وتشير الدراسات الحديثة إلى أن نوبات الغضب من أبرز العوامل التي تسهم في أمراض القلب والضغط واضطراب السكّر، وأن خير واقٍ لهذه الأسقام هو أن يتحلّى المرء بالحِلم والرزانة، ويجعل الأناة خُلُقًا ملازمًا لمسيرته في الحياة.

ومحافظة على الإنسان من ثورات الغضب وآثاره البدنية والنفسية، قال رسول الله ﷺ: "ثلاثة من كن فيه آواه الله في كنفه، وستر عليه برحمته، وأدخله في محبته، قيل: ما هن يا رسول الله؟ قال: من إذا أعطي شكر، وإذا قدر غفر، وإذا غضب فتر." وقال أيضًا: "ما تَجَرّعَ عبدٌ جَرعَةً أفضَلَ عندَ اللهِ عزّ وجلّ من جَرعَةِ غَيظٍ، يَكظِمُها ابتِغاءَ وَجهِ اللهِ تَعالى."

7. آفات الفراغ

كم ساعة نقضيها كل يوم في اللهو والعبث؟ حتى نجد أنفسنا في النهاية فريسة سهلة للوساوس والأفكار الخبيثة. يقول الشيخ محمد الغزالي: "أنه أثناء الفراغ تولد آلاف الرذائل، وتختمر جراثيم التلاشي والفناء." وقد نبهنا النبي ﷺ إلى غفلتنا عن نعمة العافية والوقت فقال: "نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ منَ النّاسِ الصّحّةُ والفراغُ." فكم من سليم الجسد ممدود الوقت يضطرب في هذه الحياة بلا أمل يحدوه، ولا عمل يشغله، ولا رسالة يخلص لها ويصرف عمره لإنجاحها. و في هذا المقال تحدثنا عن موضوع أهمية الوقت بشكل مفصل.

وقد كشفت الدراسات أن ساعات الفراغ هي أشد ما يعرّض الإنسان لسوء العادات واضطراب النفس واسترسال الوساوس؛ إذ لا يجد الذهن فيها ما يشغله، فيرتدّ على صاحبه قلَقًا ووهمًا. ولهذا يذكّرنا الشيخ محمد الغزالي بأن نُحصّن أنفسنا من آفات الفراغ ومن تبديد الأعمار، بأن نملأ أوقاتنا بالواجبات، وننتقل من عمل نافع إلى آخر؛ ابحث لنفسك عن هواية راشدة تُنعش روحك، وتشغل فراغك، وتقوّي صحتك، وقد تكون لك باب رزق إضافي يمدّك بالنفع، ويمتد أثره إلى أمتك ومجتمعك.

شاهد الفيديو من هنا
تعليقات