تعلم كيف تستغل وقتك بشكل مثالي

كيف نتوقف عن التسويف و نستغل وقتنا على أكمل وجه؟

في يوم ما سوف أتغير نحو الأحسن؛ سأقلع عن العادات السيئة، وسأمنح جسدي ما يستحق من رعاية واهتمام. سأترك الوظيفة التي تخنق أحلامي، وأبدأ مشروعاً يعبّر عن شغفي وهويتي. سأطوي صفحة العزوبية وأبحث عن شريك حياة مناسب… أحلامٌ كثيرة نحملها في صدورنا، تطل من نوافذ أمانينا كل مساء، لكنّها غالباً ما تبقى مجرد وعود مؤجلة، نكتبها بحبر الأمل على صفحات مذكراتنا، ثم نغلقها ونمضي.

تقدير نعمة الوقت

في دراسة اجتماعية أُجريت على كبار السن المقيمين في دور الرعاية، تكررت أمنيتان مؤلمتان في أحاديثهم، تختصران مشاعر الندم التي تلازمهم عند خريف العمر: "ليتني خضت مغامرات أكثر، وواجهت الحياة بشجاعة أكبر" و"ليتني أحسنت استثمار وقتي بدل أن أضيعه فيما لا ينفع." لكن ما يحزّ في النفس أن هذه اللحظات من الصفاء والتأمل لا تأتي إلا متأخرة، حين يكون قطار العمر قد مضى، ولم يتبقَّ من الرحلة إلا القليل.

في كتابه "Someday Is Today" يطرح الكاتب الأمريكي ماثيو ديكس فكرة ذكية تساعد على اتخاذ القرارات الحاسمة دون تردد أو تسويف، أطلق عليها اسم "خطة المئة سنة". ويقول في كتابه:

عندما أكون على وشك اتخاذ قرار -سواء كان بسيطاً أو مصيرياً- لا أترك الأمر لذاتي الحالية، لأنها غالباً ما تكون أسيرة لحظتها، تتأثر بالمشاعر العابرة والرغبات المؤقتة. بل أختار أن أستشير ذاتي المستقبلية، تلك النسخة التي تبلغ من العمر مئة عام، وأستعين بها لاتخاذ القرار المناسب. إنها نظرة بعيدة تمنحني وضوحاً وعمقاً لا توفره اللحظة الآنية.

تساعدك هذه الحيلة على إعادة توجيه وقتك وطاقتك نحو ما يستحق فعلاً، بعيداً عن المشتتات والقرارات العشوائية. تخيّل نفسك شيخاً مسناً، جالساً يستعرض شريط ذكرياته الطويل: هل ستكون راضياً عمّا فعلته اليوم؟ هل ستشعر بالفخر لساعات أهدرتها أمام التلفاز أو الهاتف؟ هل سترضى عن نمط غذائي وعادات سيئة أهدرت صحتك؟ هل ستفرح بالمعاصي والذنوب التي تجمعها كل يوم؟

حين تنظر لكل قرار من زاوية "الشيخ الذي أصبحت عليه"، تبدأ في مراجعة اختياراتك بعين أكثر وعياً ونضجاً. يصبح الوقت أكثر قيمة، والأولويات أوضح، فتبدأ في استغلال أيامك كما لو كانت رسالة شكر تبعثها لنفسك في المستقبل. يقول الكاتب:

أريدك أن تدرك حقيقة مؤثرة — لا أحد وهو على فراش الموت، يلفظ أنفاسه الأخيرة، يتمنى لو أنه قضى وقتاً أطول في مشاهدة نتفليكس، أو أنه لعب عدداً أكبر من ألعاب الفيديو، أو أنه انتظر وقتاً أطول قبل أن يبدأ في تحقيق أحلامه. لكن المفارقة أننا نعيش حياتنا اليومية وكأن هذه الأمور هي الأهم، فنمنحها أوقاتنا وأعمارنا، ونؤجل ما هو جوهري.

فنحن البشر غالباً نفضل اللذائذ الآنية على حساب الأشياء التي نجني ثمارها مستقبلاً، فتذكر أننا سنموت قريباً أهم محفز بالنسبة لنا يدفعنا إلى اختيار القرارات الصائبة في حياتنا، عوض الركض وراء الأشياء التافهة. و كمثال عن تقدير نعمة الوقت؛ أنصحك بقراءة هذا المقال الذي يشرح كيف وصل الإنسان الياباني الى درجة عالية من الإلتزام و تقدير الوقت.

الاستغلال المثالي للوقت

ولكن من الجدير بنا أن نعلم أن الحياة لا تنتهي مرة واحدة أثناء الموت، بل تتآكل شيئاً فشيئاً مع كل ثانية تمضي من حياتنا. ومشكلتنا الكبيرة حسب الكاتب هي أننا نقلل من أهمية الدقائق التي تمضي، ونتعامل مع الوقت بوحدات كبيرة كالساعات والأيام، فنقلل من شأن اللحظات الصغيرة التي في الحقيقة تُشكّل نسيج حياتنا بالكامل.

لذلك فهو ينصحنا بأن نتوقف عن رؤية اليوم على أنه مكون من 24 ساعة بل على أنه مكون من 1440 دقيقة، هذا التحول في الإدراك يوقظ فينا الشعور بقيمة كل دقيقة، ويمنحنا وعياً أكثر حدة بمرور الزمن. وعندما نبدأ في تقدير هذه اللحظات كما ينبغي، سنكتشف قدرتنا الحقيقية على استثمارها في ما ينفع، فنعيش بعمق، وننجز بتركيز، ونحيا حياة لا نندم عليها لاحقاً.

ومن أجل ذلك يقدم لنا ماثيو ديكس مجموعة من التقنيات العملية التي اعتمد عليها بنفسه، وساهمت بفعالية في تحويل يومه العادي إلى يوم منتج ومليء بالمعنى:

1. اجعل من الوقت عاملاً أساسياً عند اتخاذ أي قرار

فحين نفكّر في الخيارات المتاحة أمامنا، يجب ألا نركز فقط على الجودة أو التكلفة، بل علينا أن نسأل أنفسنا: كم من وقتي سيستهلك هذا الخيار؟ وهل يستحق ذلك؟ تخيّل أن أمامك خيارين لشراء بيتزا — الأولى ذات جودة ممتازة لكنها تبعد ساعة من الزمن، والثانية أقل جودة لكنها من المتجر المجاور. في هذه الحالة، قد يكون القرار الحكيم هو اختيار الأقرب، لأن ما ستوفره من وقت قد يكون أغلى وأهم من فرق الطعم.

لكن ديكس يوضح أيضاً أن الوقت لا يُقاس فقط بعدد الدقائق أو الساعات، بل بقيمتها ومعناها، فـ 30 دقيقة مع العائلة أهم من ساعات طويلة تقضيها في العمل. اجعل من الوقت عدسة تنظر من خلالها إلى قراراتك — لا لتختزل الحياة في السرعة، بل لتمنحها المعنى.

2. وفّر الوقت الذي تستهلكه للتنقل بين الأماكن

يقول  ماثيو ديكس إنه عند اختيار مكان الإقامة، فإن أول ما يضعه في الحسبان هو قربه أو بُعده عن مكان العمل. تخيّل أن بيتك لا يبعد عن عملك سوى خمس دقائق فقط — كم من الوقت، والطاقة، والأعصاب ستوفّر يومياً؟ وكم من لحظات الانتظار الممل في الزحام ستتجنّب؟ وكم من الفرص الصغيرة للاستراحة، أو التواصل مع العائلة، أو حتى ممارسة هواية تحبها ستكسب؟

3. اختيار المهنة لا يتعلق فقط بما ستجنيه من مال

يقول  ماثيو ديكس إنه كان أمام خيارين في بداية حياته؛ الأول أن يكون محامياً ويجني أموالاً كثيرة، والثاني أن يكون معلماً براتب أقل ولكنه يمتلك أوقات فراغ أكثر وعطلاً أطول. الخيار الثاني لم يمكنه فقط من ربح الكثير من الوقت للاستمتاع والراحة، ولكنه ساعده على جني أموال أكثر عبر تطوير شغفه، وممارسة هوايته في الكتابة. لذلك لا تختزل مستقبلك في الراتب فقط فالحياة الجيدة ليست في المال وحده، بل في التوازن، وفي حرية الوقت، وفي قدرتك على بناء شيء يخصك خارج جدران الوظيفة.

4. اختر كيف تُمضي وقتك

يؤكد  ماثيو ديكس على حقيقة محورية في حياة الناجحين: الأشخاص الذين يصنعون الفرق لا ينتظرون "الوقت المناسب" — بل يصنعونه. بالطبع لا أحد يملك القدرة على خلق المزيد من الوقت، لكننا نستطيع أن نختار كيف نمضي الوقت المتاح في الأشياء المهمة حقاً. فبإزاحة الأشياء الأقل أهمية من جدول أعمالك ستجد متسعاً من الوقت للقيام بما يستحق اهتمامك فعلاً.

استراتيجية الفأر والنسر

وفي فصل آخر يقدم لنا ماثيو ديكس استراتيجية رائعة يسميها "استراتيجية النسر والفأر" وهي تشبيه رمزي يُجسّد طريقتين مختلفتين في التعامل مع الحياة والقرارات اليومية. الفأر يمثل الشخص الذي يمتلك نظرة قريبة جداً؛ يركّز على التفاصيل الصغيرة، وينشغل بالأمور اليومية الدقيقة، لكنه في المقابل، يفتقر إلى الرؤية الشاملة ولا يرى ما ينتظره في الأفق.

أما النسر فهو على النقيض تماماً؛ يحلق على ارتفاع عالٍ، ويرى المشهد بأكمله. هو لا يغرق في الجزئيات، بل يملك رؤية استراتيجية بعيدة المدى تساعده على اتخاذ قرارات أكثر حكمة، وتجنّب الوقوع في فخ التفاصيل المربكة أو الانشغال بما لا يستحق. ويوضح ديكس أن النجاح الحقيقي في الحياة هو من نصيب النسر، لا الفأر. لأن النسر يستطيع أن يرى أين يتجه، ويُخطط للوجهة الكبرى، بينما الفأر يبقى عالقاً في اللحظة، غير مدرك لما يقترب إليه من بعيد.

ولامتلاك رؤية النسر الشاملة والكلية، وتعلم كيف نعطي الأولوية لتلك الأشياء المهمة فعلاً بعيداً عن الغرق في التفاصيل والجزيئات الفارغة التي تهدر وقتنا دون فائدة، يقدم لنا  ماثيو ديكس ثلاث نصائح:

1. الفضول يقتل الإنتاجية

يقول  ماثيو ديكس إنه تحصل على تقرير من دار نشر كورية يحتوي على عدد الكتب التي باعها في كوريا مع شيك بالأرباح المحققة. سألته زوجته عن عدد الكتب المبيعة لكن جوابه إنه لم يقرأ التقرير لأنه لا يتقن اللغة الكورية، وهو لا يريد أن يضيع وقته في ترجمة الرسالة فقط ليعرف معلومة لن تغير شيئاً سوى إرضاء فضوله الزائد. لذلك ينصحنا الكاتب أن لا نضيع وقتنا في أشياء لا تعني لنا شيئاً بعد ساعات أو أيام لاحقة، تعلّم أن تقول لا لفضولك حين لا يكون له قيمة عملية.

2. قلل من الخيارات المتاحة

طاقتنا العقلية محدودة، فكلما عالج دماغنا معلومات غير ضرورية، أو فاضل بين خيارات تافهة، تآكلت قدرتنا على اتخاذ قرارات فعّالة فيما هو فعلاً مهم. لذلك كما يوضح الكاتب كان ستيف جوبز مثلاً يلبس نفس الملابس يومياً؛ لأنه أراد تحرير دماغه من عناء التفكير في التفاصيل الصغيرة المتكررة مثل "ماذا سأرتدي اليوم؟"، واحتفظ بجهده الذهني لما يستحق فعلاً.

3. ركز فقط على الأشياء المهمة

رؤية النسر تقول: إذا كان هذا الأمر لن يعني لي شيئاً بعد ساعة، أو يوم، أو سنة… فلماذا أمنحه انتباهي الآن؟ فالنسر لا يغرق في التفاصيل الزائدة ولا يطارد الكمال في كل صغيرة، بل يُقيّم الأمور بناءً على قيمتها المستقبلية فهو يسأل نفسه باستمرار: هل لهذا القرار، أو هذا الجهد، أثر حقيقي على المدى البعيد؟ إذا لم يكن كذلك، فهو ببساطة لا يستحق أن يأخذ من وقته أو طاقته شيئاً.

الخلاصة

في النهاية علينا أن ندرك أن الوقت ليس مجرد عقارب تمضي، بل هو العمر نفسه يتسرّب من بين أيدينا، فكل دقيقة نهدرها هي فرصة خفية لحياة كان يمكن أن تكون؛ حياة أعمق، أصدق، وأقرب لما نحلم به.

شاهد الفيديو من هنا
تعليقات